قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، تتحرك المؤشرات السياسية في اتجاه يخدم الديموقراطيين. تراجُع شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والحرب مع إيران، والرسوم الجمركية وغلاء المعيشة، كلها تضغط على الجمهوريين. لكن الأرقام والانقسامات داخل الحزب الديموقراطي تكشف عقبات قد تمنع ترجمة غضب الناخبين إلى سيطرة على الكونغرس. بات الديموقراطيون في موقع متقدم لاستعادة مجلس النواب، فيما أصبحت معركة مجلس الشيوخ أكثر تقارباً. والأهم أن المنافسة امتدت إلى ولايات كان يصعب سابقاً تصورها ساحات حاسمة. فقد نقل "كوك بوليتيكال ريبورت" سباقي تكساس وأيوا إلى خانة "المتكافئ"، فيما بقيت ألاسكا وأوهايو بين أبرز ساحات القتال الانتخابي. وتعزز استطلاعات الرأي هذا الاتجاه. ففي أحدث استطلاع لـ"رويترز/إبسوس"، تقدم الديموقراطيون في التصويت العام للكونغرس بـ44% مقابل 37% للجمهوريين. إلا أن ضعف ترامب لا يمنح خصومه تلقائياً شعبية مرتفعة. وأظهر استطلاع لمركز "بيو" أن 59% من الأميركيين ينظرون سلباً إلى الحزب الديموقراطي، مقابل 58% للحزب الجمهوري. تمثل القدرة المالية إحدى أبرز نقاط الضعف الديموقراطية. فحتى نهاية تموز/يوليو، كانت اللجنة الوطنية الجمهورية تملك أكثر من 130 مليون دولار نقداً، مقابل نحو 16 مليوناً للجنة الوطنية الديموقراطية. وإلى جانب ذلك، كان لدى لجنة "MAGA Inc." المرتبطة بترامب نحو 401 مليون دولار. ويقول الديبلوماسي الأميركي السابق الدكتور نبيل خوري لـ"النهار" إن "الرأي العام انقلب ضد ترامب وسياساته، ومنها الدعم المطلق لحرب الإبادة الإسرائيلية"، مشيراً إلى أن "المال يلعب دوراً أساسياً في الانتخابات، وكذلك التدخل في إدارة العملية الانتخابية". ويضيف أن "ترامب يدعو صراحة إلى الغش، بالتالي النتائج غير مضمونة"، ويرجح أن الديموقراطيين "قد ينجحون في مجلس النواب ويخسرون في مجلس الشيوخ فتبقى السيطرة الترامبية تقريباً على حالها". مبنى الكابيتول هيل الاميركي، (غيتي ايميدجز). المعيشة تمنح الديموقراطيين ورقتهم الأقوى يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلوريدا أتلانتيك الدكتور روبرت رابيل لـ"النهار" إن الديموقراطيين يتمتعون بميزة واضحة مع تركز اهتمام الأميركيين على ارتفاع الأسعار، وخصوصاً الوقود، والحرب مع إيران. في المقابل، يحتاج الجمهوريون، وفق رابيل، إلى إقناع الناخبين بأن الاقتصاد الأميركي في وضع جيد عموماً، مستندين خصوصاً إلى قوة سوق الأسهم. ويرى أن أمام الجمهوريين عملاً كبيراً لتهدئة مخاوف الناخبين وتعبئة قاعدتهم، وأن الكثير سيتوقف على قدرة الحزبين على بلورة رسالتهما وإيصالها ودفع المؤيدين إلى صناديق الاقتراع. وتبقى كلفة المعيشة العامل الأكثر حساسية. فالتفوق المالي الجمهوري قد يسمح بحملات أوسع وأكثر كثافة، لكن استمرار أسعار السلع الأساسية والوقود عند مستويات مرتفعة سيمنح الديموقراطيين ورقة يصعب تحييدها. لا تتوقف العقبات عند المال. يخوض الديموقراطيون مواجهة داخلية حول هوية الحزب والمسافة التي يمكنه التحرك بها نحو اليسار من دون خسارة الناخبين الوسطيين. وتبرز ميشيغان مثالاً واضحاً. فقد فاز عبدول السيد، التقدمي ومن أبرز منتقدي إسرائيل، بترشيح الحزب لمجلس الشيوخ بعد مواجهة قوية مع هايلي ستيفنز التي حظيت بدعم شخصيات بارزة في القيادة الديموقراطية. وبعد الانتخابات التمهيدية، التف قسم واسع من الحزب حول السيد، فيما لا تزال مواقفه تثير تحفظ تيار يخشى تأثيرها في الناخب الوسطي. وتتجاوز القضية مرشحاً واحداً. فصعود مرشحين قريبين من "الاشتراكيين الديموقراطيين" في عدد من الانتخابات التمهيدية منح الجمهوريين مادة جاهزة لتصوير الحزب بأكمله على أنه يتحرك نحو اليسار الراديكالي. ويتضمن برنامج منظمة "الاشتراكيين الديموقراطيين في أميركا" مواقف بعيدة من التيار الديموقراطي السائد، بينها إلغاء مجلس الشيوخ، وتقليص تمويل الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتحرك على المدى الطويل نحو إنهاء أنظمة الشرطة والسجون بصيغتها الحالية. هنا تكمن إحدى أخطر نقاط الضعف الديموقراطية. فالتيار التقدمي قادر على تعبئة ناخبين شبان وغاضبين من المؤسسة الحزبية، فيما يخشى المعتدلون أن يدفع ثمن هذا الصعود مرشحو الحزب في الولايات المتأرجحة. ومع إمكان حسم السيطرة على الكونغرس بفارق مقاعد قليلة، قد تصبح المعركة داخل الحزب عاملاً لا يقل أهمية عن تراجع شعبية ترامب نفسه.