كشفت الضجة التي سبقت حفلة أصالة نصري في صالة الفيحاء بدمشق عن صراع أوسع يتصل بهوية سوريا الجديدة، وحدود حضور الخطاب الديني في رسم الحياة الثقافية والاجتماعية. وقبل أيام من عودة الفنانة السورية إلى الغناء في مدينتها بعد غياب نحو 15 عاماً، تحولت الحفلة إلى مواجهة بين وزارة الثقافة المتمسكة بإقامتها وأوساط دينية ومحافظة تطالب بإعادة النظر في المعايير التي تعتمدها الدولة لرعاية الأنشطة العامة. وجدّدت وزارة الثقافة تمسكها بالحفلة المقررة في 17 أيلول/سبتمبر، إذ زار الوزير محمد ياسين الصالح صالة الفيحاء وتابع التحضيرات. وكان قد قدّم عودة أصالة باعتبارها احتفاء بفنانة دعمت السوريين منذ عام 2011، معلناً أن الوزارة ستشارك أيضاً في رعاية ألبومها السوري الجديد. ومنحت الرعاية الرسمية الحفلة بعداً يتجاوز أمسية تنظمها شركة خاصة. فدخول الوزارة شريكاً فيها جعلها جزءاً من الصورة الثقافية التي تسعى الدولة إلى تقديمها، ووضع في المقابل مطالب التيار المحافظ أمام مسألة أبعد من الاعتراض على الغناء، تتعلق بمدى قدرته على تحويل رؤيته الدينية والاجتماعية إلى مرجعية تضبط النشاط الثقافي الرسمي. ضيّق موقف أصالة من النظام السابق مساحة الاعتراض السياسي على عودتها. فقد كانت من أبرز الفنانين السوريين الذين أعلنوا تأييدهم للاحتجاجات عام 2011، وتعرضت لحملات إعلامية وشطبتها نقابة الفنانين من قوائمها. لذلك تمحورت حملة الإلغاء حول الغناء والموسيقى والاختلاط، وخصوصاً منح الفعالية رعاية حكومية. وقاد الداعيان السلفيان عبد الرزاق المهدي وهاني دهب، المعروف بـ"الشيخ الذهبي"، أبرز الدعوات إلى الإلغاء، امتداداً لاعتراضات سابقة على حفلات معرض دمشق الدولي. واتهم الذهبي وزارة الثقافة بتشجيع ما يصفه بـ"حفلات المعاصي"، فيما عدّ المهدي الحفلة "منكراً" يستوجب تدخل السلطات. واتخذ الاعتراض بعداً أوسع مع صدور بيان "صيانة هوية سوريا في مرحلة ما بعد التحرير"، الذي وقّعته 62 شخصية، بينهم عضوا مجلس الشعب أحمد إدريس الطعان وكنان النحاس والديبلوماسي حسام الحافظ. وطالب البيان بمراجعة سياسات ترخيص الفعاليات العامة ووقف الرعاية أو الحضور الرسمي للأنشطة التي يعتبرها الموقعون متعارضة مع "هوية المجتمع وقيمه". وميز البيان بين "حريات الأفراد وشؤونهم الخاصة" وبين نقل بعض المظاهر إلى المجال العام تحت مظلة رسمية. وهنا تجاوز الاعتراض الدعوة إلى المقاطعة أو التعبير عن موقف ديني، نحو المطالبة بأن تعتمد الدولة تصوراً محدداً لهوية المجتمع عند تحديد ما ترعاه من فنون وفعاليات. ويضع هذا الطرح مسألة الهوية في قلب النقاش. فالمطالبة بمنع الرعاية الرسمية لا تتعلق فقط بموقف أخلاقي من حفلة غنائية، بل بمحاولة تحديد القيم التي يفترض أن تمثلها الدولة، وما إذا كان المجال الثقافي سيبقى مفتوحاً أمام أنماط مختلفة من الحياة أو يخضع لمعايير دينية أكثر صرامة. لقطة من فيديو تمزيق أحد إعلانات حفلة أصالة في دمشق. (النهار) زاد التباين وضوحاً بعدما أعلن المدير العام لمديريات الثقافة والمراكز الثقافية أنس الدغيم تأييده للبيان، بينما واصلت الوزارة التحضير للحفلة. وكشف ذلك عن اختلاف داخل الجهاز الثقافي نفسه، بين قرار وزاري يمضي في رعاية الفعالية ومسؤول بارز يتبنى مطالب تدعو إلى تقييد الحضور الرسمي في أنشطة من هذا النوع. وامتد خطاب "صيانة الهوية" إلى بيانات صدرت باسم أمانات ولجان في المزة والميدان والشاغور وأحياء دمشقية أخرى. وحاولت هذه البيانات تقديم الموقف المحافظ بوصفه تعبيراً عن البيئة الاجتماعية للعاصمة، بعدما كان الاعتراض يتركز في دوائر الدعاة والموقعين على الوثيقة. وفي الاتجاه المقابل، أصدرت مجموعة عرّفت نفسها بأنها "نخب ومثقفون من أبناء مدينة دمشق" بياناً في 10 أيلول، حذرت فيه من تصاعد التيارات المتشددة ومحاولات "تقزيم هوية دمشق". واستعاد البيان أسماء من تاريخ المدينة الثقافي والفني والسياسي ليقدم تصوراً مختلفاً لهويتها، ويرفض اختزالها في رؤية اجتماعية أو فكرية واحدة. وبذلك اتسع السجال من حكم ديني على حفلة إلى تنافس بين تعريفين لدمشق نفسها. طرف يقدم المحافظة الدينية باعتبارها التعبير الأصدق عن المجتمع، وطرف يستند إلى تاريخ المدينة وتنوعها للدفاع عن هوية أوسع تسمح بتعدد الأنماط الثقافية والاجتماعية. سبق حفلة أصالة أكثر من احتكاك بشأن المسألة نفسها. فقد أثارت حفلات معرض دمشق الدولي اعتراضات دينية مشابهة، فيما أوقف معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار في آب/أغسطس فعالية لـ"حملة الذهبي للحجاب الشرعي" داخل مركز "شام سيتي سنتر". وتكشف الحالتان سعي مؤسسات الدولة إلى الاحتفاظ بحق تنظيم النشاطين الديني والثقافي في الأماكن العامة، في وقت تسعى تيارات مختلفة إلى توسيع حضورها وتأثيرها في هذه المساحة. فكما تعترض جماعات دينية على