في التاسع من أيلول 1961، ومعي حقيبة جلد عتيقة وتذكرة سفر مجانية على طائرة T.M.A للشحن، ولي من العمر 20 عاما، غادرت لبنان للمرة الأولى إلى باريس. كنت مليئا بالمرارة والتمرد وممتلئا آمالا وخيالات بما ينتظرني في باريس. بمجرد أن أصل المدينة سوف أصبح إرنست همنغواي آخر. وسوف أكتب الشعر على الأرصفة وأنام الليالي الطويلة بلا عشاء. خرجت من لبنان وأنا لا أعرف منه سوى بضع مصادفات عابرة: مرور في صيدا، نزهة في بساتين آل عسيران في صور، والباقي جغرافية اللزوميات: بيروت - بتدين اللقش. ذات مرة خطر لي أن أكمل الطريق إلى مرجعيون أو أذهب إلى شتوره بدل برلين، أو طرابلس بدل روما. وعندما أصبحت في الثالثة والعشرين، كنت قد سافرت إلى مصر وكينيا والكويت، غير مدرك أن على المرء أن يفكر أيضا في أمر سلعاتا ذات يوم وسائر الساحل الفينيقي وجباله المرخية الأوصال. عندما كبرت اكتشفت أنني أعرف نصف العالم ولا أعرف من الـ10452 سوى "الهورس شو" وملحقاتها. لكن الوقت كان قد فات للتعرف إلى بلاد الأرز كما ينبغي، وصرنا نكتفي بما قرأنا عنها في قصائد لامارتين وخيالات الليدي هستر ستانهوب التي حلمت بحكم لبنان قبل زمن طويل من رستم غزاله (أبو عبدو للأصدقاء). تجري في الديار اللبنانية حاليا مناقشة الموازنة. نعم، الموازنة. وكان قد دخل التاريخ ولن يخرج بعد قول لـ جبران باسيل في مؤتمر دافوس: دعوا الأميركيين والبريطانيين يأتون إلينا وسوف نعلمهم كيف تدار الموازنات. علّمهم يا زلمي علّمهم. لا كيف تدار بل كيف تطير. بعد كل هذا العمر، بعيدا من خريطة الأرض الحميمة، أجد نفسي كل يوم أمام درس جديد: زوطر والتفاح والريحان. عطر الأرض وقد فاح من تحت الركام. كل يوم نتعلم عنوانا جديدا: قرى الحزام الأزرق وقرى الحزام الأصفر. وقرى الانتظار لكي تعرف أيّ لون سوف يعطيها الإسرائيليون، صفرة اللؤم أو صفرة الموت. يعلمنا الإسرائيليون أسماء البلد التي لم نتعلمها ولم نفكر يوما في أنها موجودة ولا في أنها قد لا تكون ذات يوم في الوجود.