"Justice For All" بهذه العبارة اختار المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب أن يوسم المغلف الذي ضمّ مطالعة النيابة العامة التمييزية في الأساس في ملف تفجير مرفأ بيروت، قبل أن يذيّله بتوقيعه وختم النيابة العامة ويسلّمه إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، مع ما يحمله من إغفال واضح للادعاء على رئيس الجمهورية السابق ميشال عون. داخل المغلف، 260 صفحة تختصر موقف النيابة العامة من واحد من أعقد الملفات القضائية في لبنان، وتعيد رسم خريطة المسؤوليات السياسية والأمنية والعسكرية والقضائية والإدارية، مع ما يحمله الملف، في موازاة ذلك، من إغفال لكل من "كان يعلم"، بوجود النيترات وخطورتها، وما إذا كان هذا العلم يرتب مسؤولية تستوجب سلوك المسار الدستوري المناسب بحقه. المطالعة، وفق معلومات "نداء الوطن"، لم تقتصر على إبداء الرأي في إجراءات المحقق العدلي، بل ذهبت أبعد من ذلك، وقدمت سردية متكاملة للوقائع، وتحليلا لأسباب التفجير، ومعايير لترتيب المسؤوليات، وموقفًا من المدعى عليهم والمواد الجرمية المسندة إليهم، وصولا إلى تحديد ما ترى النيابة العامة وجوب القيام به قبل إصدار القرار الاتهامي. وضعت النيابة العامة رواية متكاملة، فأعادت تتبع مسار شحنة نيترات الأمونيوم من بلد المنشأ، والجهات المرتبطة بها، والباخرة "روسوس"، وصولا إلى إدخال الحمولة إلى بيروت وتفريغها وتخزينها في العنبر الرقم 12. وتوقفت عند المراسلات التي سبقت التخزين وتلك التي تلته، والتحذيرات من خطورة المواد، والجهات التي بلغها العلم بوجودها، سواء كانت سياسية أو أمنية أو عسكرية أو قضائية أو إدارية. لكن المطالعة لم تكتف بالسرد، بل حاولت الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي رافقت التحقيق منذ بدايته: هل كانت كمية الـ2750 طنًّا التي وصلت إلى بيروت هي نفسها الموجودة في العنبر لحظة الانفجار؟ وهل انفجرت كامل الكمية؟ وهل ارتبطت جهة لبنانية مباشرة بالنيترات أو بإدخالها أو تخزينها؟ وهل كان التفجير نتيجة سلسلة من الإهمال والتقصير، أم أن ثمة فعلا مدبرًا أو تدخلا خارجيًا أو ظروفًا أخرى أسهمت في حصوله؟ كما امتد البحث إلى إمكان وجود جهات خارجية مرتبطة بالشحنة منذ منشئها، أو بمسارها وصولا إلى لبنان، أو بالتفجير نفسه. وتناولت المطالعة كذلك أسماء وشخصيات أثير حولها الكثير إعلاميًا من دون أن يسبق للمحقق العدلي استدعاؤها، فبحثت في حقيقة دورها وحدود مسؤوليتها، في محاولة لإخراج هذه المسائل من دائرة التداول السياسي والإعلامي ووضعها في ميزان الوقائع والتحليل القانوني، ما لم يكن تصفية الحسابات! بعد الوقائع، انتقلت المطالعة إلى السؤال الأصعب: المسؤولية. أحد أبرز المعايير التي اعتمدتها النيابة العامة تمثل، وفق المعلومات، في تحديد كل شخص أو جهة كانت تعلم بالخطر وتملك، بحكم موقعها أو صلاحياتها، القدرة على طلب إجراء أو اتخاذ خطوة كان من شأنها الحد من الخطر أو منع الكارثة، لكنها لم تفعل. هذا المعيار وسّع دائرة المسؤولية إلى ما هو أبعد من الموظفين الذين تعاملوا مباشرة مع النيترات، ليشمل مستويات سياسية وأمنية وعسكرية وقضائية وإدارية، وفق أربعة عناصر أساسية: ماذا كان المسؤول يعرف؟ متى علم؟ ماذا كان يستطيع أن يفعل؟ وماذا فعل؟ ومن ضمن هذا الإطار حضرت مسؤولية رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، ولا سيما في ضوء إقراره بأنه كان يعلم بوجود النيترات، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول الإجراءات التي اتخذها بعد وصول المعلومات إليه، وما إذا كانت تتناسب مع مستوى الخطر. إحدى أبرز نقاط المطالعة تمثلت في رسم فاصل واضح بين معايير الادعاء ومعايير الاتهام. فالاشتباه ووجود عناصر تبرر الملاحقة لا يعنيان حكمًا توافر الأدلة الكافية لإحالة المدعى عليه إلى المحاكمة. ومن هنا، أعادت النيابة العامة قراءة المواد الجرمية التي استند إليها البيطار في ادعاءاته، وحددت المواد التي تتبناها وتلك التي ترى ضرورة تعديلها أو تصحيحها، ومدى ملاءمتها للوقائع المنسوبة إلى كل شخص. وانطلاقًا من ذلك، أبدت المطالعة موقفًا واضحًا من المدعى عليهم. فبحسب المعلومات، طلبت كف التعقبات عن بعضهم لعدم توافر العناصر اللازمة لاستمرار الملاحقة، فيما رأت ضرورة تصحيح المواد الجرمية بحق آخرين. في المقابل، بقي الباب مفتوحًا أمام احتمال الادعاء على أسماء جديدة إذا رأت النيابة العامة أن الوقائع والعناصر المتوافرة تبرر ذلك، فيما لم يتضح بعد بصورة نهائية ما إذا تضمنت المطالعة بالفعل ادعاءات على متورطين جدد. وفي حال حصول ذلك، سيكون على البيطار استدعاء المدعى عليهم الجدد واستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم قبل إصدار القرار الاتهامي. المحور القانوني الأكثر حساسية في المطالعة تمثل في "الاختصاص". فقد خصصت النيابة العامة، وفق المعلومات، مساحة واسعة لتحديد المرجع الصالح لمحاكمة كل فئة من