نعيش في عصر جديد بالغ الخطورة (رويترز) ينقل تأكيد الولايات المتحدة امتلاك أسلحة منشورة في مدار حول الأرض التنافس الفضائي إلى مرحلة أشدّ حساسية. فالجديد هو الاعتراف العلني بقدرات ظلّت محاطة بالغموض، وتحويلها إلى رسالة ردع موجّهة خصوصًا إلى الصين وروسيا. ومع احتفاظ واشنطن بسرّية نوع الأسلحة وعددها، يصبح الإعلان نفسه أداة استراتيجية من خلال إظهار القدرة على حماية المصالح الأميركية، وإشعار الخصوم بأن تهديدها قد يستدعي مواجهة في المدار. تنبع أهمية هذا التحوّل من اعتماد الجيوش على الأقمار الاصطناعية في الاتصالات والمراقبة والملاحة. فتعطيل هذه البنية قد ينعكس مباشرة على إدارة العمليات فوق الأرض، ويمنح الطرف المهاجم أفضلية تتجاوز حدود الفضاء. يتداخل الدفاع والهجوم في مفهوم "السيطرة الفضائية" الذي عرضته القوّة الفضائية الأميركية، مؤكّدة قابلية استخدام قدراتها للغرضين. وهذا التداخل يجعل تقدير النيات أكثر صعوبة، ويرفع احتمال تفسير إجراءات الحماية باعتبارها استعدادًا لضربة استباقية. في هذا السياق، تعبّر اعتراضات بكين وموسكو عن خشية من تكريس تفوّق أميركي في مجال حاسم لتوازن القوى. وتكشف مطالبهما بمنع تسليح الفضاء أيضًا تنازعًا على قواعد المنافسة: من يضع القيود، وأيّ قدرات تشملها، وكيف تُراقَب؟ وتزداد المعضلة مع اقتصار الحظر المداري في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 على الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، بما يترك مساحة واسعة للتنافس بأسلحة أخرى. ويدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملًا محتملًا لتسريع المواجهة وتعقيد ضبطها. فالنصوص المتاحة لا تثبت دمجه في الأسلحة الأميركية المعلنة، لكن قدرته على تحليل البيانات قد تدعم رصد الأجسام الفضائية، وتقدير المناورات، وترتيب التهديدات بسرعة. وقد يمنح ذلك المشغّلين إنذارًا مبكرًا وقدرة أفضل على حماية الأقمار، بينما يرفع الاعتماد على الاستجابات المؤتمتة مخاطر اتخاذ إجراءات قبل استكمال التحقّق البشري. وتكمن الخطورة في التفاعل بين غموض السلوك الفضائي وسرعة التقدير الآلي. فاقتراب قمر من آخر، أو انقطاع اتصال، قد يحتمل تفسيرات تقنية وعسكرية مختلفة. وإذا صُنّف الحدث آليًا باعتباره هجومًا، فقد يضغط تسارع الاستجابة على الوقت المتاح للتواصل والتثبّت، فتتحوّل واقعة محدودة إلى تصعيد متبادل. ويصبح التفوّق الحسابي عندئذ مصدر قوّة ومصدر هشاشة في آن. ويضاعف السباق الأميركي - الصيني في الذكاء الاصطناعي هذه الضغوط، ويعزّز لدى الطرفين الخشية من أن يمنح التريّثُ المنافس أفضلية. وعندما ينتقل هذا المنطق إلى الأنظمة العسكرية الفضائية، تتراجع حوافز التمهّل أمام إغراء السرعة والمبادرة. لذلك، تتطلّب إدارة التنافس الجمع بين ضبط الأسلحة وضبط استخدامها: قنوات اتصال للأزمات، وإجراءات للتحقّق من الحوادث، وضمان إشراف بشري فعلي على القرارات ذات الأثر التصعيدي. فاستقرار المدار سيعتمد على قدرة القوى الكبرى على إبقاء سرعة القرار ضمن حدود الفهم والسيطرة، قبل أن تجعل الأتمتةُ أزمةً قابلة للاحتواء مواجهةً تتجاوز حسابات أصحابها.