في الشمال: المواطن يدفع ثمن الخدمة مرة ومرتين وثلاث مرات في بعض مناطق عكار تبلغ فاتورة المياه الرسمية نحو 150 دولارًا شهريًا كهرباء، مياه، نقل، تعليم وطبابة... المواطن يدفع للدولة، ثم يدفع للبديل، وأحيانًا يدفع ثالثة كي يؤمّن ما يُفترض أن يكون حقًا أساسيًا له في بلده. لم يعد السؤال في الشمال: كم يدفع المواطن مقابل الخدمة؟ بل كم مرة يدفع ثمن الخدمة نفسها؟ فالكهرباء التي يُفترض أن تصل من الدولة تستدعي فاتورة مولّد، والمياه الرسمية قد تستدعي صهريجًا وخزانًا ومضخّة، والتعليم لا ينتهي عند القسط، بل يبدأ بعده حساب النقل والكتب وسائر المستلزمات. أما الطالب الجامعي، فيدفع يوميًا كي يصل إلى مقعده الدراسي. وفي بلد ارتفع فيه مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 15.69 في المئة سنويًا حتى تموز 2026، وفق إدارة الإحصاء المركزي، لم تعد هذه النفقات هامشية. إنها كلفة يومية تُضاف إلى دخل عائلات تواجه أصلا ارتفاعًا متواصلا في الأسعار. في طرابلس مثلا، تبدأ كلفة اشتراك المولّد لعائلة بنحو 100 دولار شهريًا، وفق معطيات ميدانية، وترتفع تبعًا للأمبيرات والاستهلاك. وهي فاتورة تُضاف إلى ما يدفعه المواطن لمؤسسة كهرباء لبنان. لكنّ المشهد لا يتوقف هنا. عائلات كثيرة لجأت إلى الطاقة الشمسية والبطاريات لتأمين استمرارية التيار، فتحولت الكهرباء من خدمة واحدة إلى منظومة من الفواتير: الدولة، المولّد، ثم الطاقة البديلة. واللافت أن ما كان يُفترض أن يكون حلا موقتًا أصبح جزءًا ثابتًا من ميزانية الأسرة. في بعض مناطق عكار، تبلغ فاتورة المياه الرسمية نحو 150 دولارًا شهريًا، وفق معطيات ميدانية. لكن دفع الفاتورة لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة البحث عن المياه. فعندما لا تكفي التغذية، يأتي الصهريج. ولتخزين المياه يحتاج المنزل إلى خزان، ولضخها يحتاج إلى مضخّة، ولتشغيل المضخّة يحتاج إلى كهرباء. هكذا لا يدفع المواطن ثمن المياه فقط، بل يدفع أيضًا ثمن إيصالها وتخزينها وتشغيل منظومة بقائها في المنزل. التعليم: القسط ليس الفاتورة الأخيرة في عكار، كانت كلفة نقل الطالب من القيطع إلى حلبا بحدود 30 دولارًا شهريًا، على سبيل المثال، وهي مرشّحة هذا العام للوصول إلى 50 دولارًا. القسط المدرسي، إذًا، ليس وحده ما تدفعه العائلة. هناك النقل والكتب والقرطاسية والإنترنت وسائر المستلزمات. أما الطالب الجامعي الذي ينتقل يوميًا من عكار إلى الكورة، حيث الجامعة اللبنانية، فتتجاوز أجور النقل، وفق معطيات مستقاة من طلاب، 10 دولارات يوميًا، من دون احتساب احتياجاته الأخرى. وبذلك، قد يحتاج بعض الطلاب إلى نحو 400 إلى 500 دولار شهريًا للوصول إلى الجامعة وتأمين مستلزماتهم التعليمية والشخصية. المشهد نفسه ينسحب على قطاعات أخرى، من النقل إلى الطبابة والاتصالات. المشكلة ليست في أن يستعين المواطن بالقطاع الخاص، بل في أن يتحوّل هذا القطاع إلى شرط للعيش، لا خيارًا إضافيًا. في مناطق الشمال أيضًا، من يركّب الطاقة الشمسية لأنه يريد خفض فاتورته يختلف عمّن يركّبها لأنه لا يستطيع تحمّل انقطاع الكهرباء. ومن يشتري صهريجًا لتحسين مستوى الخدمة يختلف عمّن يضطر إلى شرائه بعدما دفع أصلا فاتورته الرسمية. ناهيك عن خدمات الإنترنت والاتصالات وغيرها من المدفوعات والفواتير التي باتت جزءًا ثابتًا من ميزانية الأسرة، تتراكم الالتزامات على المواطن من كل جانب. وهكذا يصبح المواطن في الشمال أمام اقتصاد يومي قائم على الدفع المتكرر: يدفع للدولة، ثم يدفع للقطاع الخاص، ثم يدفع من جيبه لتأمين ما لم يحصل عليه من الجهتين. وكلما تراجعت الخدمة العامة، اتّسعت مساحة الإنفاق الخاص، وتحولت الحقوق الأساسية إلى خدمات تُشترى أكثر من مرة. المشكلة لم تعد في ارتفاع فاتورة واحدة، بل في تعدد الفواتير التي تنتجها الخدمة الواحدة. فالكهرباء فاتورتان أو ثلاث، والمياه كذلك، والتعليم يتجاوز القسط، والنقل يصبح كلفة موازية للعمل والدراسة، فيما تتوالى فواتير الاتصالات والإنترنت والطبابة وسواها. وهكذا يجد المواطن نفسه يعمل ليدفع ثمن الخدمات، ثم يدفع مرة أخرى ثمن البدائل، وربما مرة ثالثة ثمن تأمين استمراريتها. فكم من دخل المواطن الشمالي يذهب اليوم لتغطية خدمات يُفترض أن تكون الدولة هي الضامن الأساسي لها؟ وهل أصبح غياب الدولة خدمة أخرى يدفع المواطن ثمنها من جيبه؟ وكم من المفترض أن يكون راتب اللبناني أو مدخوله الشهري حتى يستطيع تلبية كل هذه الاحتياجات؟