كتب الروائيّ والشاعر الألمانيّ غونتر غراس (نوبل للآداب 1999) يقول: «حدَّثني ابي عن بكاء الثريّات في قصر فرساي. ولكم تمنّى لو تتهدّم جدران القصر في ذلك اليوم أو تتحطّم أصابع الجنرالات الذين أتي بهم إلى هناك لكي يوقّعوا على صكّ الاستسلام. لكنّ هياكلنا العظميّة، وربّما أرواحنا، هي التي كانت تتحطّم». شيءٌ آخر كان يحدث في غرفة على مقربة من قاعة المرايا في القصر؛ وقد تلألأت الثريّات، والضحكات حين خَرج البطريرك المارونيّ إلياس الحويّك من الغرفة وهو يحمل توقيع رئيس الوزراء الفرنسيّ جورج كليمنصو على وثيقة إنشاء «دولة لبنان الكبير». وقد ظلّت على الورق حتّى 31 آب/ أغسطس 1920 حين أَعلن المندوب السامي الجنرال هنري غورو قيام تلك الدولة من قصر الصنوبر في بيروت، وكان هذا القصر ولا يزال، منزل السفير الفرنسيّ في لبنان. أشياء كثيرة حدثت في لقاء فرساي حين «شطحت» أصابع كليمنصو وهو يَرسم حدود الدولة الوليدة. فوجئ البطريرك الذي رفضَ إلحاق منطقة «وادي النصارى» السوريّة ذات الأغلبيّة الأرثوذكسيّة بتلك الدولة كي لا يؤثّر ذلك على الثقل الماروني، بأنّ دمشق أضيفت إلى الخارطة. وكان أن علَّق «النمر» الفرنسي ضاحكاً «ظننْتُكَ ستطلب إلحاق باريس أيضاً». لبنان تجده في الكي دورسيه، مقر ّ وزارة الخارجيّة، وفي الجمعيّة الوطنيّة (البرلمان). ولا بدّ من أن تجده في الأليزيه، حتّى إذا ما اندلعت الحرب الأهليّة في لبنان في العام 1975، كتبَ المؤرّخ والإعلامي الفرنسي جان لاكوتور أنّ الدَّور الفرنسي انتقل من «الأمّ الحنون» الى «الأمّ الثكلى». دائماً هناك الخوف من زوال لبنان كـ «وديعة فرنسيّة» في الشرق الأوسط، وكبوّابة فرنسيّة إلى أسواق العرب والى قلوب العرب، ليَشهد خريف العام 1956 غروبَ الإمبراطوريّة البريطانيّة، وكذلك الإمبراطوريّة الفرنسيّة، على ضفاف السويس، وبحركة من إصبع الرئيس دوايت آيزنهاور، بطل إنزال النورماندي، الذي أَطلق مبدأه الشهير في العام 1957: «مبدأ آيزنهاور» لـ «ملء الفراغ» في الشرق الأوسط. وكان أقرب ما يكون إلى ملء الفراغ بالفراغ! صحيفة «Les Echos» وَصفت لبنان بـ «بوّابتنا الجميلة الى الشرق الأوسط». لكنّ التقلّبات الجيوسياسيّة والجيوستراتيحيّة أَقفلت أبواباً كثيرة، وفَتحت أبواباً قليلة. هي المنطقة التي قال هيرودوت منذ 2500 سنة إنّها تقع على خطّ الزلازل. الفرنكوفوني الرئيس شارل حلو قال لنا ضاحكاً في مقابلة معه عن «الوجه الآخر» حول غلبة اللّغة الإنكليزيّة على اللّغة الفرنسيّة التي بقيت لغة الصالونات «مثلما أَبدل اللّبنانيّون روايات فيكتور هوغو بروايات إرنست همنغواي؛ كذلك أبدلوا أغاني شارل أزنافور بأغاني مايكل جاكسون. ذهب أبعد من ذلك في الحديث عن الفارق (في الإثارة) بين بريجيت باردو ومارلين مونرو في مخيّلة اللّبنانيّين. إنّه الاعصار الثقافي الذي جَعل العالَم يَعشق كلّ ما هو أميركي، ومن طبق «الهوت دوغ» إلى «رقصة الموتى» للّيدي غاغا. بطبيعة الحال الشبكة العنكبوتيّة التي أَحدثت زلزالاً في أصقاع الدنيا. منذ البداية كان الجنرال غورو الذي ركلَ ضريح صلاح الدّين في دمشق «ها قد عدْنا يا صلاح الدّين»، في التعبير عن عقدة العظمة التي تَحكم التاريخ الأوروبي، يُدرك هشاشة البنية الفسيفسائيّة للدولة اللّبنانيّة، ما يجعلها في أيّ لحظة عرضةً للانكسار أو للانفجار. من هنا كان تفكيره بإنشاء فيديراليّة تَجمعها مع الدويّلات الطائفيّة التي تمّ استحداثها على الأرض السوريّة، ما حَمل البطريرك الحويّك على إطلاق صرخة في وجهه، مُهدِّداً إيّاه بالثورة ضدّ الانتداب الفرنسي. وهكذا لم يتوقّف مسلسل الأزمات التي كان حلّها يستدعي، إمّا الإنزال الديبلوماسي أو الإنزال العسكري الخارجي. ما من تسوية صَنعها اللّبنانيّون بأيديهم. ولكنْ هل من تسوية للأزمة الرّاهنة إذا كان بنيامين نتنياهو، وهو هولاكو القَرن، على رأس السلطة في إسرائيل، وبحمولة توراتيّة قد لا تتوقّف عند الحدود التوراتيّة لـ «أرض الميعاد»، أي «إسرائيل الكبرى»؟ أين فرنسا في كلّ ما يحدث على ذلك المسرح السريالي (مسرح اللّامعقول) الذي يُدعى «الشرق الأوسط»؟ التسلُّل الديبلوماسي، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي، على رؤوس الأصابع، ومن دون أيّ دور استراتيجي. ثمّة رجل في البيت الأبيض لا يرى في أوروبا سوى القارّة العجوز التي تتّكئ على الكتف الأميركي. وفي «استراتيجيّة الأمن القومي» التي أَطلقها الرئيس دونالد ترامب في 4 كانون الأوّل/ ديسمبر، كوثيقة إلزاميّة منذ العام 1986، كلامٌ عن «اضمحلال الحضارة الأوروبيّة»، وعن «الحليف الذي لا يُعوَّل عليه»، وعن «الاتّحاد الأوروبي المضادّ للديمقراطيّة»، من خلال تكريس ثقافة توتاليتاريّة تحول دون التفاعُل مع مُقتضيات القَرن. نذكر أنّه في الثمانينيّات من القرن الفائت، دعا الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، صاحب شعار «ال