طوال عقدين تقريباً، كانت إيران تمثل التهديد الرئيسي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. لكن، بعد تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، وتعرض هذا المحور لضربات عسكرية وأمنية كبيرة خلال عامي 2025 و2026، بدأ يظهر داخل الأوساط الإسرائيلية اتجاه يرى تركيا باعتبارها المنافس الاستراتيجي الإقليمي الأكثر قدرة على ملء الفراغ الذي سيتركه التراجع الإيراني. وفي وقت تتصاعد فيه التوترات بين إسرائيل وتركيا على الساحة السورية، وتزداد التحذيرات الإسرائيلية من تنامي النفوذ التركي، تبدو سوريا حالياً ساحةً من ساحات التنافس الأوسع المتعلق بإعادة تشكيل النظام الإقليمي في المشرق وشرق المتوسط بعد التحولات التي شهدتها المنطقة بين عامي 2023 و2026. من المنظور الإسرائيلي، ينبع القلق من تنامي النفوذ التركي من احتمال تشكل مركز قوة إقليمي يتمتع بقدرات شاملة، تجمع بين النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري والقدرة على إنتاج ترتيبات إقليمية بديلة. يُنظر إلى تركيا باعتبارها الدولة الوحيدة في محيط إسرائيل القادرة على تحويل حضورها في سوريا من نفوذ ظرفي إلى نفوذ بنيوي طويل الأمد، مستندة إلى عمقها الحيوي ونفوذها الطبيعي، وقوتها الاقتصادية، وعضويتها في حلف الناتو، وشبكاتها الواسعة من العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، لا يتمحور التحدي حول ما تملكه تركيا اليوم من أدوات قوة فحسب، بل حول قدرتها المستقبلية على التأثير في هندسة التوازنات الأمنية والسياسية للمشرق العربي (خصوصاً في سوريا)، بما قد يحدّ تدريجياً من حرية الحركة الإسرائيلية ويُضعف البيئة الإقليمية التي استفادت منها إسرائيل منذ ما بعد حرب غزة. وهكذا، بدأت المصالح التركية والإسرائيلية بالاحتكاك بصورة متزايدة بعد سقوط نظام بشار الأسد. تعمل إسرائيل على فرض واقع أمني جديد في الجنوب السوري، ومنع قيام بيئة استراتيجية يمكن أن تنتج مستقبلاً قوة عسكرية سورية أو إقليمية تحد من حرية حركتها. في المقابل، تنظر تركيا إلى استقرار سوريا ووحدتها بوصفهما جزءاً من أمنها القومي ومجالها الحيوي، وتسعى إلى ربطها تدريجياً بالفضاء الاقتصادي واللوجستي التركي. ثانياً: التنافس على هندسة الأمن الإقليمي التنافس بين تركيا وإسرائيل يتجاوز حدود سوريا، لأنه صراع بين رؤيتين مختلفتين لشكل النظام الإقليمي: - الأولى، مشروع إسرائيلي يقوم على الحفاظ على التفوق العسكري، ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على موازنة هذا التفوق أو الحد من حرية الحركة الإسرائيلية. - والثانية، مشروع تركي يسعى إلى بناء مجال نفوذ تركي واسع ومتعدد الأدوات: سياسي، وأمني، واقتصادي، ولوجستي، يمتد على مساحة الجغرافيا المرتبطة معها بإرث تاريخي وسياسي وحضاري. وبين هذين المشروعين المتنافسين، تشكّل سوريا الساحة الأكثر حساسية، لأنها تقع عند نقطة التقاء المصالح التركية والإسرائيلية والعربية والروسية والأميركية في آنٍ واحد. والأهم من ذلك، تشكل سوريا، ولأول مرة في تاريخها المعاصر، "دولة حاجز" بين دولتين إقليميتين فاعلتين. واقعياً، تمثل سوريا الساحة التي ستظهر فيها، بصورة أكثر وضوحاً، حدود النفوذ التركي وقدرة إسرائيل على التأثير في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. ثالثاً: التنافس تحت عتبة المواجهة لا يبدو أن أياً من الطرفين (التركي والإسرائيلي) معنياً اليوم بخوض مواجهة عسكرية مباشرة، لأن حجم الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لمثل هذا الخيار مرتفع بالنسبة إلى الطرفين، كما أن البيئة الدولية والإقليمية لا تشجع عليه. إلا أن استبعاد الحرب لا يعني غياب التنافس الاستراتيجي. فالسيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار ما يمكن وصفه بالتنافس تحت عتبة المواجهة: احتكاك سياسي وأمني متصاعد، ومحاولات متبادلة لتحديد مناطق النفوذ، واستخدام أدوات غير مباشرة للتأثير، مع بقاء خطوط حمراء تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ويبقى أحد العوامل الأساسية المؤثرة في مسار هذا التنافس هو مآل المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران. فإذا قادت المرحلة المقبلة إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، وأهمها تطبيق البند الأول من مذكرة التفاهم (عدم اعتداء متبادل بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيران وحلفائها)، تجد إسرائيل نفسها أمام بيئة استراتيجية جديدة يصبح فيها الصعود التركي ملفاً أكثر حضوراً في حساباتها. حينها، قد تعمد إسرائيل إلى نقل جزء متزايد من اهتمامها الاستراتيجي من احتواء إيران إلى احتواء الصعود التركي. وعليه، ستكون سوريا المختبر الرئيسي للتوازنات الجديدة في الشرق الأوسط. في النتيجة، لا يتمثل السؤال الرئيسي في ما إذا كانت تركيا وإسرائيل ستدخلان في مواجهة عسكرية مباشرة، إذ يبدو هذا الاحتمال منخفضاً في المدى المنظور، بل في أيٍّ من الطرفين سيكون الأقدر على رسم قواعد التوازن الإقليمي الجديد، ومن هي القوى التي ستجلس إلى طاو