يستند هذا المقال إلى المعلومات المنشورة إعلامياً بشأن الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق "عبد الناصر براقي"، في ظل عدم توافر النص الكامل للحكم. لذلك فإن ما يرد أدناه يمثل قراءة أولية للإشكالات القانونية التي أثارتها القضية، ولا يشكل حكماً نهائياً على سلامة القرار أو تعليله. واستخدام تعبير "المخبر الأمني" هنا بالمعنى المتداول إعلامياً، لا باعتباره توصيفاً قانونياً نهائياً. أثار الحكم الصادر بإعدام عبد الناصر براقي نقاشاً واسعاً حول حدود المسؤولية الجنائية للأشخاص الذين قدموا تقارير أو معلومات إلى الأجهزة الأمنية، ولا سيما في الحالات التي ترتبت عليها عمليات اعتقال أو تعذيب أو اختفاء قسري أو وفاة. ولا تتعلق أهمية القضية بمصير متهم واحد فحسب، بل تمتد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن مساءلة الأفراد الذين ساهموا في منظومة قمع ممنهجة، في ظل غياب نصوص وطنية واضحة تجرّم "الوشاية الأمنية" بوصفها فعلاً مستقلاً؟ فالقانون السوري لا يتضمن نصاً خاصاً يجرّم تقديم التقارير الأمنية باعتباره جريمة قائمة بذاتها. كما أن تكييف هذه الأفعال ضمن جريمة البلاغ الكاذب قد لا يكون كافياً دائماً، لأن هذه الجريمة تفترض عادة وجود بلاغ مقدم إلى سلطة مختصة وبشروط قانونية محددة، في حين أن التقارير الأمنية في عهد النظام المخلوع كانت تقدم إلى أجهزته الأمنية التي كانت تعمل خارج الضمانات القضائية المعروفة. غير أن غياب نص خاص لا يعني تلقائياً استحالة المساءلة. فالمسألة تتوقف على طبيعة الفعل المنسوب إلى المتهم، وعلى ما إذا كان التقرير قد اقتصر على نقل معلومات، أم كان جزءاً من مساهمة واعية ومؤثرة في اعتقال شخص أو تعذيبه أو إخفائه أو قتله. كما تتوقف على النص القانوني الذي اعتمدته المحكمة لتجريم الفعل وتحديد العقوبة. وفقاً لما نشر في الإعلام ولتصريحات صادرة عن ممثل الهئية الوطنية للعدالة الانتقالية، يبدو أن المحكمة استعانت بقواعد القانون الدولي في توصيف الأفعال المنسوبة إلى المتهم باعتبارها مساهمة في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، من بينها الإخفاء القسري والتعذيب المفضي إلى الموت والمساهمة في القتل العمد، متى ثبت ارتكابها ضمن هجوم منهجي أو واسع النطاق على السكان المدنيين. هذا التوجه يجد سنده في نص المادة 12 الفقرة الثانية من الإعلان الدستوري، التي اعتبرت الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق الدولية المصادق عليها جزءاً من الإعلان. غير أن الاستناد إلى القواعد الدولية في توصيف السلوك لا يحل، بمفرده، إشكالية العقوبة. فهناك فارق جوهري بين القول إن فعلاً ما يشكل جريمة دولية، وبين تحديد النص الذي يجيز للمحكمة فرض عقوبة معينة، ولا سيما عقوبة الإعدام. ومن هنا تبرز ضرورة أن يوضح الحكم، بصورة دقيقة، مصدر التجريم، ومصدر العقوبة، وكيفية التوفيق بين القواعد الدولية ومبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص". فحتى في القضايا المتعلقة بأخطر الجرائم، لا يجوز تجاوز ضمانات الشرعية الجنائية بحجة خطورة الأفعال أو فداحة نتائجها. فالمسؤولية الجنائية لا تنشأ لمجرد أن شخصاً قدم معلومة أو كتب تقريراً، كما لا يجوز افتراضها من الصفة الاجتماعية أو الوظيفية وحدها. بل يجب إثبات أن المتهم كان يعلم، أو كان يتوقع بصورة واضحة، طبيعة استخدام المعلومات التي قدمها. وأن يكون تقريره قد شكل مساهمة مؤثرة أو جوهرية في الجريمة، وإثبات أن القصد الجرمي، أو العلم باحتمال وقوع النتيجة وقبولها، بحسب التكييف القانوني المعتمد. مع استبعاد حالات الإكراه أو التهديد أو الدور الهامشي الذي لا يرقى إلى مستوى المساهمة الجنائية. فالشخص الذي يقدّم معلومات ضد ضحية ما إلى جهة يعلم أنها تمارس الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، قد يتحمل مسؤولية جنائية إذا ثبتت العلاقة السببية بين فعله والجريمة. ولا يجوزمساواة كل من قدم معلومة، أياً كان محتواها أو أثرها أو ظروف تقديمها، بمن أصدر الأوامر أو نفذ التعذيب أو شارك في القتل، لأن المساواة هنا تعني الانتقال من المسؤولية الفردية إلى المسؤولية الجماعية، وهو أمر يتعارض مع أبسط قواعد العدالة الجنائية. واليوم تكتسب محاسبة المتورطين في منظومات القمع الأسدية أهمية قانونية وأخلاقية، لكنها لن تكون مشروعة إلا إذا قامت على أدلة فردية قوية، وعلى محاكمة علنية وعادلة، وعلى تمكين المتهم من الدفاع والطعن في الأدلة ومناقشة الشهود. فالعدالة لا تستعيد معناها إذا تحولت المحاكمات إلى وسيلة للانتقام أو إلى أحكام مسبقة مبنية على الانتماء أو الوظيفة أو السمعة العامة. وتزداد هذه الضمانات أهمية عندما تكون العقوبة هي الإعدام، إذ يتعين على المحكمة أن تقدم تعليلاً بالغ الدقة يبين الوقائع الثابتة، ودور المتهم تحديداً، والقصد الجرمي، والعلاقة السببية بين فعله والنتيجة، والأساس القانوني لكل من التجريم وا