لا تخلو الاحتجاجات التي اندلعت مؤخراً في أنحاء سوريا من عنصر المفاجأة، تحديداً إذا نُظر إليها من خلال الإعلام المساند للسلطة، محلياً وخارجياً. من وجهة النظر هذه، كل شيء في سوريا جيد، وإذا لم يكن جيداً فهو في سبيله ليصبح كذلك. ولا بد أن تحضر المقارنة مع ما مضى، ليُستنتج أن كل شيء جيد على نحو قطعي لا يقبل النقاش. ومما لاشكّ فيه أن هناك شريحة من السوريين تتحدث عن التحسن الشامل بثقة وصدق، فأحوال هذه الشريحة تحسّنت حقاً عمّا قبل، سواء لجهة امتلاك الثروة أو لجهة المشاركة في السلطة. لكن، خارج الترسيمة السابقة، يعلم الجميع أن هناك شرائح أوسع تضررت معيشتها بفعل التحولات الاقتصادية في سوريا، وهناك الشرائح الأوسع من السابقة؛ تلك التي تضررت معيشتها وأحلامها معاً، إذ كان أفرادها يحلمون بأن سقوط الأسد سيكون له مفعول سريع جداً في تحسين أحوالهم، فلم يحصلوا على التغيير المنشود، أو على ما هو أدنى منه بحيث يكون قابلاً للتحمّل. أحلام الفئة الأخيرة تغذّت، منذ استلام السلطة الجديدة، على ما تروّجه السلطة نفسها، أو يروّجه إعلاميوها ومؤثّروها، وأيضاً على الإنفاق غير الضروري (بما فيه بذخ المسؤولين الجدد) الذي يُفترض به أن يعكس أحوالاً آخذة في التحسن على مستوى العموم، بما أن كثر لا يريدون صراحةً اتهامَ أحد من السلطة بالفساد. وفوق المظاهر هناك وعود ومهرجانات أطلقت فيها خطط طموحة، على أنها قاب قوسين من التنفيذ، ومن التغيير في أحوال الاقتصاد والمعيشة، من دون أن تُنفَّذ مذكرات التفاهم المبرمة، أو أن يُنفّذ البعض منها لينكشف عدم تأثيره على المعيشة كما كان موعوداً. لتبيان فداحة الفجوة التي انطلقت منها الاحتجاجات، يمكن أن نتخيَّل نمطاً آخر من الحوكمة، يطل من خلاله مسؤولون كبار ليخبروا السوريين بدقة عن أحوال الاقتصاد السوري، وأن يكون المتحدّثون لديهم من الكفاءة ما يكفي لإعطاء مؤشّرات واقعية شبه دقيقة عن الأحوال. بموجب السيناريو ذاته، يمكن أن نتخيّل مسؤولين يخرجون إلى العلن لنصح السوريين بألا يناموا في عسل الأحلام لمجرد سقوط الأسد، فهم أبناء بلد منكوب، فوق أنه في الأصل بلد متواضع بثرواته الطبيعية، لذا عليهم أن يتواضعوا بآمالهم. ربما كانت الواقعية ستخفّف من الصدمة، فيما لو ترافقت مع إجراءات تفيد بوجود إدارة شفافة رشيدة. وكان من فوائد الشفافية بالطبع أن يرى الناس أنفسهم شركاء، وهو ما ينفع في بلد مثل سوريا، إذا توفرت نية المضي في اتجاه التحول الديموقراطي. في مثل هذا السيناريو، يفكّر الناس في مسؤولياتهم، وفي مسؤوليات السلطة وأوجه تقصيرها، وهو ما لا يحدث عندما لا يكون الناس شركاء في معرفة أوضاع بلدهم، وفي التفكير فيها. لقد درجت لدى الموالين، منذ وقت مبكر من عمر السلطة، بدعةٌ غريبة فحواها مواجهة أي نقد في مكان بما يُرى على أنه إيجابي في مكان آخر، بل تولى ترويج هذه البدعة كتّاب بددوا رصيدهم الثقافي في هذا الصنف. مثلاً، إذا انتقد شخص ما الازدحام المروري في دمشق، يخرج له من يقول: لكنك لا ترى كيف أن الوضع في مطار دمشق ممتاز جداً ولا يُقارَن بما مضى. في المحصلة، تم تمييع موضوع النقد الذي وظيفته الكبرى الإضاءة على أوجه القصور والسلبيات، وهذه أفضل خدمة للذين لا يريدون معالجتها، أو لا يملكون الكفاءة والقدرة على ذلك. ويصادف لأسباب معروفة أن يحتفي الخارج بالتغيير في سوريا، وأن تُسلَّط الأضواء على تبدو أنها إنجازات خارجية، ولا شكّ في أن بعضها بمثابة أخبار سارة لعموم السوريين، مثل الأخبار الخاصة برفع العقوبات أو وصول بعض المساعدات الخارجية. لكن، أيضاً على هذا الصعيد، كانت هناك فجوة كبيرة جداً بين التركيز على ما يعِد به انفتاح الخارج على السلطة الجديدة وبين الواقع، فالفرح العام بالانفتاح نابع أصلاً من وعوده المأمولة فيما يخص تحسّن الأحوال المعيشية، وسوى التحسن على المدى القريب أو البعيد لا يكون شأناً مُفرحاً على هذا النحو. ذلك بصرف النظر عن تأثيرات الحرب الأخيرة في الخليج على مجمل اقتصاديات دوله، وفي المقابل منها احتفاليات السلطة وجمهورها بالمكاسب الموعودة التي ستُجنى على حساب مضيق هرمز، من دون اكتراث باقتصاديات الدول التي تمدّ يد العون للسلطة. الحرية والانتقال الديموقراطي ليسا في السماح لمجموعات غاضبة بالاحتجاج، من دون إطلاق النار عليها؛ أو زجّ أفرادها في سجن صيدنايا المعروف. هذا نوع من التساهل مع حرية الرأي لا أكثر، وليست الممارسة الديموقراطية هي في وجود أصوات وأحزاب معارضة، فهذا هو الشكل الذي يكون فارغاً ما لم تكن هناك ممارسة ديموقراطية في العموم، وأول أسُسها أن تمارسها السلطة نفسها من خلال توفير المعلومات (التي لا تمس الأمن القومي) للجميع، وهو ما لا يحدث في سوريا، ولا مؤشّرات على السير في اتجاهه. لا توجد، أو يجب ألا توجد، سلطة تقوم وتستمر على ركيزتين لا تتطلبان جهداً ف