لا شكّ في أنّ ارتفاع أسعار النفط عالمياً ينعكس ارتفاعاً في أسعار المشتقات النفطية في كل الدول. لكن الأمر يصبح كارثياً حين لا تملك الدول خططاً استباقية تقلّل عبرها تأثير ارتفاع الأسعار على حياة المواطنين وعلى الاقتصاد. وكما في سوريا، كذلك في لبنان، لم تكن الاستعدادات على قدر الأزمة، فالتهبَ الشارع السوري إثر الارتفاع الهائل لأسعار المحروقات، فيما لا يزال جدول تركيب أسعار المحروقات في لبنان يسجّل ارتفاعاً من دون ردود أفعال في الشارع حتى الآن. فهل تكون الاحتجاجات السورية "إنذاراً" مبكراً للبنان؟ خرج السوريون إلى الشوارع في مختلف المناطق، احتجاجاً على قرار رفع أسعار المحروقات. إذ رفعت الحكومة السورية أسعار البنزين بين 28 و30 بالمئة، فيما وصل ارتفاع سعر المازوت إلى نحو 40 بالمئة. في حين تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بنحو الثلث قبل اندلاع الثورة في العام 2011، وفق وكالة رويترز. وخلف هذه التحرّكات، لا يقبع فقط تحرّك الأسعار رقمياً. فانعكاسات الارتفاع على الواقع المعيشي للسوريين هو المؤشّر الأهم، لأنّ المحروقات تدخل في عناصر إنتاج الكثير من السلع والخدمات في مختلف القطاعات الاقتصادية، من الصناعة إلى الزراعة والسياحة والنقل وصولاً إلى التدفئة... وغير ذلك، ما يجعل ارتفاع أسعار المحروقات شرارة الانفجار لتراكم الضغط الاقتصادي والاجتماعي، الذي تُرجِمَ بخروج الناس إلى الشوارع وحرق إطارات السيارات وقطع الطرق والمطالبة بإقالة وزير الطاقة. ومع أن الحكومة السورية تلقي بمسؤولية ارتفاع الأسعار محلياً على تحليق أسعار النفط عالمياً، إلاّ أنّ الشارع السوري لم يعد يأبه للتبريرات الاقتصادية والتفسيرات الأكاديمية لما يحصل. بل يرى أنّ الدولة عليها إيجاد الحل العادل والمناسب، انطلاقاً من المواءمة بين ارتفاع الأسعار وتحسين الرواتب والأجور ودعم الأسر والمؤسسات. وهو أمر لا يمكن لأحد ادّعاء امتلاكه الحلّ السحري وسط الظروف الداخلية والإقليمية والدولية، لكن المواطن لا يمكن أن يحمل المسؤولية وحده. على الضفّة اللبنانية، تتغيّر أسعار المحروقات مرّتين أسبوعياً. ووصل سعر صفيحة البنزين وفق جدول أمس الثلاثاء، إلى نحو 30.5 دولاراً فيما وصل سعر صفيحة المازوت إلى نحو 29.5 دولاراً. ولا تقتصر نتائج الارتفاع على كلفة النقل، بل تجعل جمهورية المولّدات الخاصة ارتفاع أسعار المحروقات ذريعة لإطلاق العنان لأرقام الفواتير. في حين تستقيل الدولة من مهامها المتعلّقة بتأمين الكهرباء. وبالتوازي، فإنّ جمعَ الأكلاف المرتبطة بالطاقة، من فواتير الكهرباء إلى استهلاك الوقود، يؤدّي إلى زيادة كلفة إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها، ما يرتِّب على المستهلك أكلافاً أعلى. وبالتالي، فإنّ للسعر الذي يظهر في جدول تركيب أسعار المحروقات، انعكاسات أبعد وقيمة اقتصادية أثقل على المواطنين والمؤسسات. وفي ظل الاقتصاد المتهالك، تتهيأ الظروف لانفجار الشارع اللبناني على غرار نظيره السوري. لكن لا يبدو أنّ العدوى ستنتشر بسرعة، للكثير من الأسباب، أبرزها أنّ حركة ارتفاع أسعار المحروقات ليست وليدة قرار حكومي لحظي، بل هي مسار تراكمي يُعلَن عنه مرّتين أسبوعياً. فما الذي يؤخّر الانفجار؟ يفرّغ أغلب اللبنانيين غضبهم عبر قنوات وظيفتها تشتيت قوّة الغضب، وهي بشكل أساسي ما يُسمّى بالتحرّكات النقابية، التي تتّخذ شكل إضرابات وقطع طرق من قِبَل بعض سائقي سيارات الأجرة، أو سائقي الشاحنات وغيرهم من المنضوين في القطاعات التي تتحرّك بإيعاز سياسي يضبط إيقاع غضبهم ويحدّد مواقيته، قبل تدخُّل "المرجعيات" السياسية والنقابية وإطلاق الوعود بإيجاد الحلول، فيتراجع الغضب وسط مزيد من الارتفاع في الأسعار. والأصعب من التحرّكات النقابية، هو "إضراب" أصحاب المولّدات الخاصة، بحجّة غلاء أسعار المازوت. وهؤلاء حين يغضبون، يقطعون الكهرباء عن الناس، وفي أحسن الأحوال، يزيدون معدّل التقنين مع الحفاظ على التسعيرة المرتفعة. علماً أنّ الكثير من أصحاب المولّدات، وخصوصاً في بيروت، لا يلتزمون بالتسعيرة التي تحددها وزارة الطاقة، ولا بتركيب العدّادات. ووفق نظام "المقطوعة" الذي يقوم على دفع مبلغ ثابت شهرياً بغضّ النظر عن حجم الاستهلاك وساعات التغذية، يصبح التقنين أداة ابتزاز للناس، عمادها: دفع "المقطوعة" الشهرية من دون تقديم الخدمة كاملة. الشارع اللبناني ليس غريباً عن الاحتجاجات، بمعزل عن أسبابها وآليات ضبطها. ولذلك، فإنّ مسار الأسعار والضغط الاقتصادي والاجتماعي، يدعمان اشتعال الشارع. على أنّ الاحتجاجات سيقابلها عدم الاكتراث من قِبَل الدولة، ممثّلة بمختلف الوزارات والأجهزة الرقابية المعنية بضبط السوق. فالخزينة العامة لا تملك المال الكافي لتمويل نموذج الدعم الذي رافق أزمة العام 2019 وما تلا