تشهد مناطق واسعة من جنوب سوريا منذ أيام تصعيداً عسكرياً متزايداً لقوات الاحتلال الإسرائيلي، يمتد من محيط جبل الشيخ في أقصى الشمال إلى ريف القنيطرة وبلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي. وتتنوع التحركات بين التوغلات البرية، والقصف المدفعي، ونصب الحواجز المؤقتة، وتفتيش المدنيين والمزارعين، إضافة إلى اعتقالات طالت سكاناً في مناطق قريبة من خط وقف إطلاق النار. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منطقة جبل الشيخ في الأراضي السورية المحتلة، في خطوة عكست استمرار الحضور العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وسط تحركات ميدانية متصاعدة على امتداد الجبهة الجنوبية. بدأت أحدث موجات التصعيد في 10 أيلول/سبتمبر، عندما تعرضت أراضٍ زراعية في محيط قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي لقصف مدفعي من مواقع قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان السوري المحتل. وخلال الأيام التالية، توسعت التحركات الإسرائيلية في مناطق عدة من المحافظة، وشملت محاور عين النورية وتل أحمر والحميدية ومزارع الأمل، إلى جانب إقامة نقاط تفتيش مؤقتة وتسيير دوريات عسكرية داخل مناطق مأهولة وقريبة من التجمعات السكانية. وفي شمال القنيطرة، دخلت ست عربات عسكرية إسرائيلية إلى محيط عين النورية، وتجولت بين الأحياء السكنية بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع مسيّرة. كما أقامت قوات الاحتلال الإسرائيلي نقطة تفتيش عند مفرق عين النورية، قبل أن تنصب حاجزاً مؤقتاً على الطريق الواصل بين عين النورية وخان أرنبة، بمشاركة نحو عشر آليات عسكرية، حيث جرى تفتيش المزارعين والمارة. وكان التوغل في تل أحمر شمالي القنيطرة من أبرز التحركات العسكرية خلال الأيام الماضية. فقد دخل رتل إسرائيلي كبير إلى المنطقة قادماً من قاعدة الحميدية، وضم أكثر من 30 آلية عسكرية، بينها دبابات وناقلات جند ومصفحات وسيارات عسكرية تقل جنوداً. وبقيت القوة داخل تل أحمر لأكثر من 20 ساعة، قبل أن تنسحب من الموقع. وأظهرت المعاينة الميدانية للموقع عقب الانسحاب عدم وجود أعمال تجريف أو إقامة سواتر ترابية أو تحصينات عسكرية جديدة، فيما تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات نفذت خلال وجودها عمليات رصد ومراقبة للمنطقة. ويقع تل أحمر شمالي القنيطرة، على بعد نحو سبعة كيلومترات من السياج الفاصل مع الجولان السوري المحتل، ما يمنحه موقعاً مرتفعاً يسمح بالإشراف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة. وفي محور آخر، دخلت دورية إسرائيلية مؤلفة من أربع سيارات إلى مزارع الأمل، وأضرمت النار في مركز أمهات طرنجة قبل أن تغادر المنطقة ضمن التحركات القادمة من جهة قاعدة الحميدية. وعلى الجانب الآخر من خط وقف إطلاق النار، شهد محيط بلدة بيت جن ومزرعة بيت جن في ريف دمشق الغربي تصعيداً متواصلاً خلال نحو أسبوعين، تمثل في القصف المدفعي والتوغلات البرية والتحركات العسكرية بالقرب من المناطق الزراعية والسكنية. ودخلت قوة إسرائيلية كبيرة إلى منطقة الكروم القريبة من مزرعة بيت جن، وضمت دبابتين وجرافة وأكثر من عشر آليات عسكرية تحمل جنوداً، بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع مسيّرة فوق المنطقة. كما تعرضت الأراضي الزراعية غربي بيت جن لقصف مدفعي بنحو سبع قذائف، في حين تقدمت آليات إسرائيلية أخرى باتجاه المدخل الجنوبي للبلدة بالقرب من منطقة باب السد، وأوقفت عدداً من المزارعين وفتشتهم. وسجل كذلك انتشار لعناصر مشاة إسرائيليين في منطقة جورة اللوز، بالقرب من تل باط الوردة، بالتزامن مع استمرار التحركات العسكرية على المحاور المحيطة ببيت جن. وجاءت هذه التحركات بعد زيارة نتنياهو لمنطقة جبل الشيخ في الأراضي السورية المحتلة، في وقت تتزايد فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. ويرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية رشيد حوراني أن التوغل في تل أحمر، الذي استمر نحو 20 ساعة، يرتبط بمهام استطلاع ورصد ودراسة الموقع وإمكان اعتماده كنقطة عسكرية جديدة. وقال حوراني لـ"المدن" إن الهدف شمل أيضاً "دراسة مدى تحكم النقطة بالمناطق المحيطة بها"، معتبراً أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تتجاوز الجانب العسكري المباشر إلى أهداف سياسية وأمنية أوسع. وأضاف أن التصعيد الذي أعقب زيارة نتنياهو يرتبط، في تقديره، بمحاولة إظهار جدية الأطراف الإسرائيلية التي تدفع باتجاه توسيع العمليات داخل سوريا، معتبراً أن ذلك ينسجم مع توجهات نتنياهو السياسية والأمنية. ويرى حوراني أن تزايد وتيرة التحركات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية يرتبط بعدة عوامل، من بينها رغبة نتنياهو في إظهار استقلالية قراره، بالتزامن مع مطالب أميركية بالحد من التصعيد مع سوريا. ويشير إلى أن إسرائيل قد تسعى، من خلال إنشاء مناطق نفوذ عسكرية داخل الأراضي السورية، إلى تثبيت واقع ميداني يمكن استخدامه لاحقاً كورقة