أعلن رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو "أننا أبناء الموارنة، لا نريدُ العودة إلى لبنانَ الغلبة، كما أننا لا نقبل لبنانَ الغبن أو الإحباط أو التهميش"، وأيّد "طرحَ البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي للحياد الإيجابي"، قائلاً "علمتنا التجارب، من حرب إلى أخرى، أن لبنان عندما يدخلُ في صراعات المحاور يدفع اللبنانيون الثمن، بينما يبقى القرار في عواصم أخرى". كلام رئيس الرابطة المارونية أطلقه في احتفال نظّمته بلدية دير القمر في مئوية الدستور اللبناني، وجاء في كلمته "لَيْس أَفْضَل مِنْ دَيْرِ القَمر للانطلاقِ فِي سِلْسِلَةِ النَدَوَاتِ حَوْلَ مِئَوِيةِ الدسْتُورِ اللبْنَانِيِّ. فَمَا الدسَاتِيرُ بِالأَسَاسِ فِي الدوَلِ الدِيمقْرَاطِيةِ، بِتَشْرِيعَاتِهَا وَمَوَادِهَا وَقَوَانِينِهَا، سِوَى انْعِكَاسٍ لِخِبْرَاتِ الشعوبِ وَالقِيَمِ وَالمَبَادِئِ وَالمُمَارَسَاتِ وَالخِيَارَاتِ الَتِي تُؤْمِنُ بِهَا، وَبِشَكْلٍ خَاصٍ انْعِكَاس لِتَرَاكُمِهَا. وَفِي ديرِ القَمَرِ، حَيْث بَدأَت تَتَشَكَل التَّجرِبَةُ اللبْنَانِية، تَعَاقَبَ منْذ القَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ، عَلَى الأَقَلِ، سُلَالَتَانِ وَأُمَرَاءُ وَقَادَةٌ ومفكّرون وأدباءٌ كِبَار مِنْ طرازِ فَخرِ الدِينِ وكميل شمعون ودوحةِ البساتنة، راكموا خِبْراتٍ وقِيَمًا وَمبادئَ وَمُمارساتٍ وأخذوا خِياراتٍ شكَلَتْ خميرةَ دولة لبنانَ الكبير الناشئة في مطْلعِ عِشْرِيناتِ القرنِ الماضِي. وقد كان باكورةَ أعمالِها المهمة وضعُ الدستور اللبناني في العام 1926. من دَيْرِ القَمَرِ، وما تمثِّله من لبنانَ القديمِ، أطرحُ سؤالًا في هذه المِئَوِية: ماذا فعل الدّستورُ بلبنانَ، وماذا فعل اللبنانيّونَ بدُستورِهِمْ؟ في 23 أَيَارَ 1926، صدرَ دستورُ لبنانَ الكَبِيرِ، في مرحلةٍ كان فيها لبنانُ ينطلقُ بتطَلعَاتٍ وأحلامٍ كبيرةٍ ببناءِ دولةٍ ذاتِ مؤسساتٍ ونظامٍ دستوريٍ على غِرَارِ الدُّوَلِ الديمقراطيةِ العُظْمَى. كان الدستورُ اللّبنانِيُّ متقدِّمًا في بيئتِهِ العربيةِ، فهو الثاني بعد مِصْرَ بأربعِ سنواتٍ، ومتأثِّرًا إلى حدٍّ بعيدٍ بالتقاليدِ الدستوريةِ الأوروبيةِ، لاسيما المدرسة الفرنسية ودُسْتُورُ جمهوريتِها الثالثةِ. وقام على مبادئَ أصبحتِ اليومَ بديهيةً في الدوَلِ الدستوريةِ الحديثةِ: النِّظَامُ البرلماني، الحُرِّياتُ العامةُ، فَصْلُ السلطاتِ، استقلالُ القضاءِ، وسيادةُ القانونِ. وإذا كان البَطْرِيَرْكُ الياس الحُوَيِكُ قد أسهمَ في ولادةِ لبنانَ الكَبِيرِ، فإنّ ميشال شيحا، أحدَ أعضاءِ لجنةِ صياغةِ الدسْتُورِ الأساسيينَ، انصرفَ إلى التفكيرِ في كيف يستطيعُ لبنانُ أن يعيشَ، دولةً ومجتمعًا متعدِّدًا، لا يقومُ على الغَلَبَةِ، بل على التَّوَازُنِ والتَّوافُقِ، فتتقاطعُ رؤيتانِ متكاملتانِ في أنّ الحُوَيِّك أَمَّنَ الكِيَانَ، وطرَحَ شيحا فلسفةَ العَيْشِ المشتركِ. من هذه الخلفية يُمكنُ فهمُ دستور 1926، الذي حاول أن يحوّل التعدد من مصدرِ للصراع إلى صيغة دستورية تحمي التوازن والحريات. لكنَّ المعضلةَ اللبنانية ستبقى في المسافة بين الدستورِ الذي كتبناه، والدستورِ الذي مارسناه. لقد كان لدينا دستورٌ حديثٌ، لكن لم تكن لدينا ثقافةٌ دستوريةٌ حديثة. فالدستورُ أرسى مبدأَ المساواة أمام القانون، وحمى حريةَ الاعتقادِ والضميرِ، وكرّس حريةَ الرأي... والاجتماع في التنوّع أو التعدد. لكنّ الممارسةَ السياسية ذهبتْ في اتجاه آخر. فالنظامُ السياسي كرّس تدريجيًا توزيعًا طائفيًا للسلطة، فأصبحَ رئيسُ الجمهورية مارونياً، ورئيسُ الحكومة سُنياً، ورئيسُ مجلس النواب شيعياً، كما نشأت قاعدةُ تمثيلٍ نيابي أعطتِ المسيحيين أفضليةً عدديةً قبل أن يعدّلها اتفاقُ الطائف إلى المناصفة. هنا نصلُ إلى جوهرِ التجربةِ اللبنانية. بعد الاستقلال، أنتجَ النظامُ قاعدةً جعلَت المسيحيين، والموارنة خصوصًا، في موقعٍ متقدّمٍ داخلَ بنيةِ السلطة، لاسيما من خلال رئاسةِ الجمهورية وصلاحياتِها الواسعة. لكن هذه القاعدة لم تَثبُتْ وتَستَقر. ومع التحولاتِ الديموغرافية والسياسية والاجتماعية، شعر المسلمون بأن النظامَ لم يعد يعكسُ واقعَهم، وبرزتْ مطالبُ المشاركة وإزالةِ الغبن ومكافحةِ الحرمان. في المقابل، تمسكت القوى المسيحية، لاسيما المارونية، بالنظامِ القائم وصلاحياتِ رئاسة الجمهورية باعتبارِها ضمانةً للتوازن اللبناني. هكذا انتقلَ الخلافُ تدريجيًا من خلافٍ سياسي يمكن معالجتُه داخلَ المؤسسات إلى خلافٍ حول طبيعةِ الدولة. ثم جاءت القضية ُالفلسطينية والسلاحُ الفلسطيني والتحولاتُ الإقليمية لتزيدَ الوضعَ تعقيداً، وصولاً إلى اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، فوقع الاختبارُ الأكبر. فالدستورُ الذي أعطى المسيحيين موقعاً متقدّماً لم ينجح في حماية المسيحيين عندما انهارت الدولة، كما لم