يشهد لبنان يومًا صاخبًا تتقاطع فيه ثلاثة ملفّات شديدة الحساسيّة: تصعيد ميدانيّ متواصل جنوبًا، خرقته زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى زوطر الغربيّة، واجتماع تفاوضيّ مرتقب مساءً على مستوى السفيرين في واشنطن، و"منازلة" سياسيّة حامية تحت قبّة البرلمان. ففي ظلّ تصعيد عسكريّ إسرائيليّ متواصل، وقصف مدفعيّ مكثّف طال خصوصًا أحياء بلدة المنصوري، وتحليق مكثّف للمسيّرات الإسرائيليّة في أجواء الجنوب، سُجّلت خطوة لافتة في توقيتها ومضمونها، بزيارة السفير الأميركي زوطر الغربيّة، البلدة التي شهدت أوّل اختبار للمناطق التجريبيّة. فقد تمّت الزيارة غداة الإعلان الإسرائيليّ عبر "القناة 14" عن فشل "المسار التجريبيّ" لنزع سلاح "حزب الله"، وتوجيه تل أبيب اتهامات صريحة إلى الجيش اللبنانيّ بالامتناع عن الوفاء بالالتزامات والتنسيق المباشر مع "حزب الله"، وهو ما يُنذر برغبة إسرائيليّة في فرض وقائع ميدانيّة جديدة وتوسيع نطاق العمليّات الميدانيّة. وعلى خطّ أميركيّ آخر، دبلوماسيّ هذه المرّة، وبناءً على طلب وضغط أميركيّين مباشرين، سيُعقد في وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن مساء اليوم اجتماع بين سفيرة لبنان ندى حمادة معوّض وسفير إسرائيل يحيئيل لايتر. وعلى الرغم من أنّ التوقّعات الرسميّة خفّضت سقف النتائج وأكّدت صعوبة تحقيق اختراق جدّي قبل الانتخابات الإسرائيليّة المرتقبة، فإنّ الحراك الأميركيّ يحمل دلالتين أساسيّتين، الإصرار على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة وعدم الإعلان رسميًّا عن فشل المفاوضات، والتمهيد للاتفاق على جدول أعمال الجولة الثامنة من المفاوضات الموسّعة المقرّرة في تشرين الأوّل المقبل، وسط تعقيدات مستمرّة جرّاء رفض تل أبيب تقديم التزامات واضحة بالانسحاب من الأراضي اللبنانيّة. ويأتي اللقاء بعدما أُرجئت الجولة التي كان يُفترض عقدها في روما، فيما يُنتظر أن يتناول اجتماع واشنطن التطوّرات وآليّة مواصلة تنفيذ "الإطار الثلاثيّ". وتستمرّ الاستعدادات في العاصمة الفرنسيّة للاجتماع التحضيريّ لمؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ، المقرّر في 17 الجاري. وعلى الرغم من التصريح الأميركيّ المشيد برئيسي الجمهوريّة والحكومة، على لسان مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، فإنّ مصادر رسميّة تقلّل من إمكانيّة صدور قرارات حاسمة لتقديم المساعدات العسكريّة المقرّرة، في ظلّ فرض "شروط تعجيزيّة" تتّصل بطبيعة انتشار الجيش في الجنوب والتنسيق المباشر المطلوب ميدانيًّا. والدعوة الفرنسيّة نفسها تضع في صلب الاجتماع توفير القدرات والموارد والمعدّات والتدريب للجيش وقوى الأمن، وفق الأولويّات والحاجات التي حدّدتها المؤسّسة العسكريّة. أمّا في الداخل، فتحوّلت جلسة المناقشة العامّة في مجلس النوّاب، التي ترأّسها الرئيس نبيه برّي، إلى ساحة سجالات حادّة ومواجهات كلاميّة، كاشفةً عمق الاحتقان حول ملفّات السيادة، وقرار الحرب والسلم، وحصريّة السلاح. وشهدت القاعة مشادّات متفرّقة، أبرزها بين النائبين علي عمّار وأشرف ريفي، وأخرى بين عمّار والنائبة بولا يعقوبيان، فضلًا عن اعتراضات قدّمها النائب جبران باسيل حول إدارة الوقت لكلّ كتلة، فيما وجّه نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب استيضاحات حادّة لرئيس الحكومة حول ماهيّة "اتفاق الإطار" ومندرجاته. وفي المقابل، قدّم رئيس الحكومة نواف سلام مرافعة دفاعيّة اتّسمت بالصراحة وعرض الأرقام الكارثيّة، محذّرًا من أنّ البلاد تئنّ تحت ثقل الأزمات المترتّبة على الحروب المتعاقبة التي "فُرضت على لبنان ولم يُسأل عن خوضها"، ومؤكّدًا أنّ الحكومة متمسّكة بمسارات التفاوض، والإصلاح الماليّ، وحصر السلاح بيد الدولة، كمنظومة متكاملة لا بديل منها. زوطر: الدبلوماسيّة تحت المسيّرات لم تكن زيارة عيسى إلى زوطر الغربيّة تفصيلًا بروتوكوليًّا. فالسفير الأميركي انتقل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسيّة في التجربة التي رعتها واشنطن، حيث يفترض أن يتقدّم انتشار الجيش بالتوازي مع مسار انسحاب إسرائيليّ وإعادة تحريك الإنماء والإعمار. وبحسب مصادر واكبت الجولة، ربط عيسى بصورة مباشرة بين ابتعاد "حزب الله" وسلاحه عن المنطقة، وبدء الإعمار والإنماء، والانتقال لاحقًا إلى منطقة تجريبيّة جديدة، مشدّدًا على ضرورة أن يقوم الجيش اللبنانيّ "بكامل دوره". لكنّ المفارقة أنّ الزيارة جرت فيما كانت المسيّرات الإسرائيليّة تحلّق فوق المنطقة، والقوات الإسرائيليّة تتحرّك في زوطر الشرقيّة المجاورة، ما اختصر التناقض الذي يواجه لبنان اليوم، دولة مطالبة بأن تثبت قدرتها ميدانيًّا، فيما لا تحصل في المقابل على ضمانة إسرائيليّة بالانسحاب. وهنا تحديدًا تنتقل "المناطق التجريبيّة" من كونها صيغة تقنيّة إلى امتحان سياسيّ. فإذا كان المطلوب من لبنان تقديم خطوات قابلة للقياس في ملفّ السلاح والانتشار العسكريّ، فما هو المقابل