قبل أقل من شهر على انتخابات برلين المحلية، تبدو العاصمة الألمانية أمام واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية منذ عقود، مع تقدّم تاريخي لليسار في استطلاعات الرأي، وتفكك معادلات الحكم التقليدية، فيما تحضر إسرائيل والحرب في الشرق الأوسط ومعاداة السامية وحرية التعبير إلى جانب أزمة السكن والاقتصاد في صلب معركة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للمدينة. وبحسب تقرير للصحافي دانيال أرازي، نشره موقع "ماكو" الإسرائيلي، يتوجه سكان برلين إلى صناديق الاقتراع في 20 أيلول، في وقت تجد فيه العاصمة الألمانية نفسها أمام نقطة تحوّل تاريخية، بعدما بدأ الإجماع السياسي الذي تشكّل عقب سقوط جدار برلين، واستند إلى حكم براغماتي وانضباط مالي مضبوط، بالتفكك تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة، ومخاوف أمنية متزايدة في أوساط الأقليات، وأزمة غير مسبوقة في الإدارة والقانون داخل الائتلاف الحاكم. ومن المجمّعات المحصّنة التابعة للمؤسسات التعليمية اليهودية الجديدة في غرب المدينة، وصولاً إلى المعارك الإدارية الحادة بشأن إلزام المؤسسات بالتبرؤ من معاداة السامية في جنوب برلين، وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، يشهد النسيج الاجتماعي والسياسي للعاصمة الألمانية عملية إعادة تشكّل عميقة. وتجري الانتخابات وسط اضطراب سياسي واسع، بعدما اضطر رئيس بلدية برلين الحالي عن الحزب المسيحي الديمقراطي، كاي فاغنر، إلى التخلي عن قيادة حزبه في الانتخابات، عقب انتقادات شعبية حادة لطريقة إدارة السلطة وللتصريحات المضللة التي صدرت من جانبه في أعقاب انقطاع الكهرباء الكبير في كانون الثاني 2026، والذي ترك عشرات آلاف السكان من دون تدفئة وكهرباء في ذروة البرد. ويحاول الحزب المسيحي الديمقراطي اليوم تجاوز تداعيات الأزمة تحت قيادة مرشحه البديل، عضو مجلس الشيوخ المسؤول عن المالية شتيفان إيفرز، في وقت يتراجع فيه الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى مستوى تاريخي متدنٍ، بينما يسجل حزب اليسار "دي لينكه" عودة أيديولوجية قوية بقيادة المحامية إليف إرالب، بما يوحي بأن الخريطة البرلمانية في برلين تتجه إلى إعادة رسم شاملة. وأظهر أحدث استطلاع أجراه معهد "فورسا" تقدماً مفاجئاً لحزب اليسار الذي يتصدر السباق بنسبة 22% من أصوات الناخبين، فيما يحل الحزب المسيحي الديمقراطي وحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في المرتبة الثانية بالتساوي مع 18% لكل منهما، متقدمين على حزب الخضر الذي يحصل على 16%. أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي قاد المدينة لعقود، فيتراجع إلى مستوى غير مسبوق مع 12% فقط، بينما يحصل كل من حزب "بي إس دبليو" بزعامة سارة فاغنكنيخت والحزب الديمقراطي الحر على 3% فقط، ما يضعهما تحت العتبة الانتخابية ويهدد بإبقائهما خارج برلمان المدينة. وفي حي فيلمرسدورف الهادئ، يعكس التوسع اللافت لحركة حاباد في برلين مفارقة متزايدة، إذ تتوسع الحياة الثقافية والمجتمعية اليهودية بسرعة، بالتوازي مع شعور متنامٍ بالعزلة تفاقم بفعل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط والتوتر الجيوسياسي المرتبط بإسرائيل. وتحت قيادة مبعوث حاباد وحاخام الجالية يهودا تايختل، تحولت الأنشطة المحلية من لقاءات محدودة في تسعينيات القرن الماضي إلى مجتمع يضم حالياً نحو 4000 شخص. ويشكّل "حرم بيرس" للتعليم والثقافة اليهودية، المعروف أيضاً باسم "البيت الأزرق"، أبرز مشاريع الحركة، وهو مبنى من 7 طبقات يضم مرافق تعليمية ورياضية ومجتمعية، فيما يجري الدفع بخطط لتوسيع الكنيس القائم فيه ليصل إلى 600 مقعد بحلول نهاية العقد. لكن هذا النمو يجري تحت مظلة أمنية مشددة. فالمجمّع محاط بحواجز لمنع عمليات الدهس، وأنظمة تعريف بيومترية، ووجود دائم للشرطة، في ظل الارتفاع الحاد في الحوادث المعادية للسامية في المدينة، حيث سجل عام 2025 وحده 2197 بلاغاً عن حوادث من هذا النوع، وفق بيانات منظمة الرصد "RIAS". وانتقد الحاخام تايختل علناً الكلفة النفسية لما وصفه بعقلية "الحصار"، محذراً صنّاع القرار في البلدية من التعامل مع المواطنين اليهود وعلاقتهم بإسرائيل كما لو أنهم "حيوانات داخل قفص لا يحتاجون سوى إلى الحماية". وإلى جانب الإجراءات الأمنية، تظهر فجوات إدارية وبنيوية واضحة داخل الحياة اليهودية في برلين. فالجالية اليهودية التاريخية في المدينة، التي تضم نحو 8000 عضو، تستفيد من اتفاق رسمي يعود إلى عام 1993 ويضمن لها تمويلاً بلدياً منتظماً يبلغ نحو 8.9 مليون يورو سنوياً. في المقابل، تعمل حاباد برلين خارج إطار هذا الاتفاق التاريخي، وبالتالي لا تتمتع بمخصصات ثابتة مماثلة. وبرز التوتر في هذا الملف عندما رفض مسؤولون في البلدية طلباً تقدمت به حاباد للحصول على منحة بقيمة 100 ألف يورو من "صندوق الولاية لمكافحة معاداة السامية"، بهدف تمويل احتفال إضاءة شمعدان "حانوكا" التقليدي عند بوابة براندنبورغ، ما أع