صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" في أونتاريو رواية جديدة بعنوان "حقيبة الأرواح" للكاتب العماني، المقيم في موسكو، أحمد م الرحبي. وهي روايةٌ تفتح مسالك جديدة لمقاربة ثيمات الاغتراب والتشظي، وانتقال الألم الإنساني عبر الأجيال، عابراً الحدود والأجساد والأرواح المنسحقة التي تترك قبل تلاشيها أثراً لا يُمحى. يقدّم الرحبي في روايته الجديدة بناء سردياً متشعباً ومتماسكاً في آن واحد، فـ"حقيبة الأرواح" تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو كتبٍ هي "غرفة الغربان"، "ربيع، ومصادفات أخرى"، و"في سبيل الكتابة"، إضافة إلى "ملحق"> ومن خلال هذه الكتُب الثلاثة، التي ينفرد كل واحدٍ منها بقصته وبطله، يشرّح الرحبي واقع شخصياته المرتبكة، ويسبر أعماقها الممزقة، ويعرّي هواجسها وأحلامها ورغباتها، حيث تتقاطعُ الأحداثُ وتتشابك المصائر من البداية إلى النهاية، وفق سردٍ زمني متقطّع غير خطّي، يراوحُ بين الماضي والحاضر، حاملاً حقيبةً سرّية من الحكايات والذكريات والألغاز التي تتكشّف شيئاً فشيئاً. تتكئ الرواية على حدثٍ بارز يتمثّل في انتحار طالب عُماني في إحدى المدن الروسية، وهي اللحظة التي نصلُ إليها في نهاية "الكتاب الأول" بعد التعمق في الأزمة النفسية التي دفعت بالطالب "فيصل" ليضع حدّاً لحياته، أو بالأحرى ينهي معاناته المتفاقمة بسبب الضغوطات الأسرية، خاصة من والده المتسلّط، جرّاء فشله الدراسي، وكذلك اضطراب علاقته العاطفية بصديقته "ناستيا"، ولتكن هذه المأساة منطلقاً سردياً نحو الكتابين الآخرين، تجمع بينهما حقيبةٌ مهملة كحياة صاحبها التي يبدو أنها أصبحت "مهمّة" بعد نهايتها. ولتتكّشف من خلال الراويين الجديدين "سلطان ومصعب" خيوطَ حكايات ترزح تحت طبقات من الكتمان والألم والضياع، تأخذنا إلى سلطنة عمان، روسيا، وفرنسا، وعبر هذه الأمكنة المتعددة بأجوائها وفضاءاتها المختلفة، تقف الرواية على أثر تمزق الهوية والقلق الوجودي للذات وصراعاتها الداخلية. هذا ما يتبدّى في كلمة الغلاف التي تنطلق من المكان وأثره الرمزي: "في مدينة يغمرها الثلج، اشتُقَّ اسمُها من كلمة "غراب" بالروسية، هي مدينة فورونيج، تراقبُ الغربان المحلقة حول تمثال الشاعر الذي شنَق نفسَه؛ حياةً تغيبُ في تفاصيل ماضٍ ثقيل، قبل أن تعود لتصطدم بواقعِ شخصياتٍ مهمومة بحرّيتها، بطموحاتها المؤجّلة، وحبِّها الخفيّ. وفي تقاطع الطرق واشتباك الرؤى، يرسمُ الروائي العماني أحمد م الرحبي صورةً بانوراميةً عميقة عن أبطاله المغتربين، من عربٍ وأفارقة، ويجمعُ مصائرَهم المتباعدة وأرواحَهم الهائمة في حقيبةٍ، في روايةٍ، يُمسي فيها كلُّ شيء ضرورياً وحاسماً في الحياة". من "غرفة الغربان":"لم تعد الغربان هناك كثيرة كما كانت، لا أحد يعرف السبب، أو إلى أين رحلت، أمّا أنا، فأظنّ أنّها سافرت معي إلى روسيا، تتعقَّبُني بنعيبها المتسلِّط، وقد تضخَّمتْ هنا ثلاثةَ أضعافِ حجمها هناك؛ وبعد أنْ كانت تطير وتَحُطّ في الزرقة البحريّة المفتوحة، أصبحت غابِيّة، يكسوها ريشٌ مُعرّش، وسوداء بأكملها". هكذا بين تشظي الزمن، والتداعي الحر، والمونولوغ، والرموز والدلالات والإيحاءات، يراوحُ أحمد م الرحبي بين هذه المستويات من الكتابة ليقدّم لنا نصّاً روائياً لا يقف عند حدودِ الأزمة النفسية وتداعياتها، إنّما يمضي ليقرأ وعي المجتمع وثقافته الأبوية، وكيف للمأساة أن تمسي مرضاً معدياً، حالة عابرة تخترق الأمكنة والأزمنة، والأخطر أن تعبر إلى الإنسان جيلاً بعد جيل، وقد تمسي النجاة تمسّكاً بالحرّية وتمرّداً على كل القوالب الجاهزة لحياةٍ ما. "حقيبة الأرواح" هي الرواية الرابعة للكاتب العماني أحمد م الرحبي والثانية له عن "محترف أوكسجين للنشر" وفيها يضع أمامنا مرآة لكلّ الثنائيات الضدّية التي تمزّق الإنسان من حياة وموت، تشبّثٍ وتخلٍّ، تمرّد واستسلام، دون أن يأتي الكاتبُ على ذكرها، في ثلاثية روائية جمعها كتابٌ واحد في 216 صفحة. كاتب ومترجم عماني. من إصداراته: مجموعة قصصية بعنوان "أقفال" (2006). وثلاث روايات هي "الوافد" (2012)، و"أنا والجدة نينا" (2015)، وعن محترف أوكسجين للنشر: "بوصلة السراب" (2024). من ترجماته عن اللغة الروسية: "انتقام تشيك الرهيب، قصص من الأدب الروسي المعاصر" (2017)، و"زواج الطاهية" لـ أنطون تشيخوف (2019)، طبعة ثانية عن محترف أوكسجين للنشر (2023)، و"ثلاثية مكسيم غوركي: الطفولة، بين الناس، جامعاتي" (2019–2020)، و"فروسيا كوروفينا" لـ ستانيسلاف فوستوكوف، قصص أطفال (2020). و"كيف تعلمت الكتابة" لـ مكسيم غوركي (2022)، والجزء الثاني من رباعية يفغيني روداشيفسكي "مدينة الشمس"، رواية للفتيان (2022)، و"رحلة أخي أليكسي في يوتوبيا الفلاحين" لـ ألكسندر تشايانوف، عن محترف أوكسجين للنشر(2023).