أعاد التطور الميداني الأخير في مرتفعات علي الطاهر في الجنوب اللبناني طرح أسئلة تتجاوز حدود السيطرة على مرتفع جغرافي، إلى طبيعة ما تحاول إسرائيل تكريسه على الأرض، وما إذا كانت العمليات العسكرية الحالية تتجه نحو فرض واقع أمني وسياسي جديد في مناطق تقع شمال نهر الليطاني. وفي هذا السياق، يرى العميد المتقاعد بهاء حلال، في قراءة لـ"ليبانون ديبايت"، أن ما جرى في علي الطاهر يحتاج إلى مقاربة تتجاوز السؤال التقليدي: "هل سقط المرتفع؟"، نحو سؤال أكبر يتعلق بما يعنيه انتقال إسرائيل من مفهوم السيطرة بالنار إلى محاولة تثبيت واقع أمني وسياسي جديد شمال الليطاني. ووفق المعطيات التي أُعلنت، تقول إسرائيل إنها حققت ما تصفه بـ"السيطرة العملياتية" على مرتفعات علي الطاهر، فوق الأرض وتحتها، وأعلنت تدمير شبكة أنفاق بطول يقارب كيلومترين. إلا أن حلال يشدد على ضرورة التمييز بين الإعلان الإسرائيلي عن «السيطرة العملياتية» وبين السيطرة الميدانية الكاملة والمستقرة، معتبراً أن مدى السيطرة الفعلية على الأرض لا يزال غير واضح بصورة كاملة، وبالتالي فإن القول إن «علي الطاهر سقط بالكامل» بمعنى السيطرة الميدانية الكاملة والمستقرة، يبقى، في رأيه، توصيفاً يتجاوز الوقائع التي حدثت أو لا تزال تتطور. برأي حلال، حققت إسرائيل عسكرياً ما يمكن وصفه بـقدرة نارية على التحكم، إلا أن تعبير «السقوط الكامل» يبقى أكبر من الوقائع الميدانية الحالية. ويشير إلى ضرورة الفصل بين ثلاثة مستويات أساسية: 1- السيطرة على سطح المرتفع:تقول إسرائيل إنها باتت تسيطر عملياتياً على المرتفع، وهو تحول مهم بحد ذاته، نظراً إلى الموقع الجغرافي لعلي الطاهر، الذي يقع على ارتفاع يقارب 600 متر ويشرف على النبطية وعدد من محاور الحركة جنوباً وشمالاً. وبالتالي، فإن امتلاك القدرة على التحكم بهذا الموقع لا يرتبط بالمرتفعات وحدها، بل يمنح صاحبه أفضلية في المراقبة والنيران والتحكم بحركة القوات والمجموعات في المنطقة المحيطة. 2- تدمير البنية التحتية:أعلنت إسرائيل أيضاً تدمير منشأة تحت الأرض تضم مراكز ومخازن أسلحة، وهذا يعني، بحسب حلال، أن المعركة لم تكن تدور حول «تلة» بالمعنى الجغرافي فقط، بل حول ما يمكن اعتباره عقدة قيادة واتصال وإمداد، بما تحمله هذه المنشآت من أهمية في أي منظومة عسكرية. 3. السيطرة المستدامة: وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية، وفق حلال، فالسيطرة العملياتية لا تعني بالضرورة أن المنطقة أصبحت "مؤمّنة، بالكامل أو أن السيطرة عليها باتت مستقرة ونهائية، فإسرائيل نفسها تقول إنها ستبقى في المنطقة لمنع إعادة بناء قدرات حزب الله، فيما أشارت تقارير أخرى إلى استمرار الضربات وعدم وضوح حجم الانتشار الإسرائيلي الفعلي على الأرض. ومن هنا، يفضّل حلال توصيف الوضع بالقول:"علي الطاهر لم يعد، على الأرجح، الموقع الذي كان عليه قبل العملية، لكنه لم يتحول بعد إلى منطقة إسرائيلية مستقرة بالمعنى العسكري الكامل". ويعتبر أن هذا الفارق يحمل أهمية استراتيجية كبيرة، لأنه يميز بين القدرة على التحكم بالنار وبين القدرة على فرض سيطرة ميدانية مستدامة. هل تتحضر إسرائيل للتمدد باتجاه الريحان؟ يرى حلال أن احتمال الضغط باتجاه إقليم التفاح – الريحان أصبح جدياً، لكنه لا يرى أن ذلك يعني بالضرورة أن الهدف الإسرائيلي التالي سيكون عملية احتلال واسعة. وفي هذا السياق، يختلف حلال جزئياً مع القراءة التي تفترض أن إسرائيل ستتقدم آلياً من علي الطاهر باتجاه الريحان، ويضع أمام المشهد ثلاثة سيناريوهات رئيسية: السيناريو الأول: تثبيت علي الطاهر يعتبر حلال أن هذا هو السيناريو الأقرب في المرحلة الحالية،ومعناه أن إسرائيل قد تقول عملياً:"لا أحتاج إلى احتلال الريحان الآن؛ يكفيني أن أمتلك علي الطاهر، وأن أجعل المنطقة المحيطة به غير قابلة للحركة". وهذا قد يفسر استخدام القوة النارية لمنع الوصول إلى البلدات والمناطق المحاذية للمواقع التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية أو تعمل في محيطها،وبهذه الطريقة، يتحول الاحتلال من مفهوم "خط جبهة" إلى منطقة قتل ومراقبة وسيطرة بالنار،أي أن إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى وجود بري مباشر في كل نقطة، طالما أنها قادرة على مراقبة المنطقة واستهداف الحركة فيها والتحكم بممراتها. السيناريو الثاني: الضغط باتجاه الريحان يصف حلال هذا السيناريو بأنه الأخطر.فالريحان، في تقديره، ليس مجرد ارتفاع جغرافي، بل جزء من منظومة مرتفعات تربط إقليم التفاح بالجنوب وباتجاه البقاع الغربي،وبالفعل، تضع تقارير إسرائيلية جبل الريحان وإقليم التفاح ضمن المناطق التي يمكن أن تصبح هدفاً تالياً بعد علي الطاهر، لكن إذا قررت إسرائيل التقدم في هذا الاتجاه، فإن الأمر لن يكون مجرد "عملية تنظيف موضعية"، بل قد يعني توسيع العمق الأمني الإسرائيلي داخل الجغرافيا اللبنانية