بعد معركة مرتفعات علي الطاهر، بدأت إسرائيل تكشف ملامح المرحلة التالية من عملياتها في جنوب لبنان، عبر الحديث عن "جيوب" داخل المنطقة التي تسميها "الخط الأصفر"، تزعم أن حزب الله يحاول العودة إليها وتثبيت وجوده فيها. ونقلت "جيروزاليم بوست" عن مصادر في القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي أن هذه الجيوب تقع ضمن المنطقة الأمنية التي أعلنت إسرائيل السيطرة عليها، لكنها تشمل نقاطاً لم تدخلها قواتها فعلياً، إما لكونها محاطة بمواقع إسرائيلية أو لأنها لم تكن تشكل، وفق التقدير العسكري، خطراً فورياً. وبحسب الرواية الإسرائيلية، يحاول حزب الله الاستفادة من هذه الثغرات لإعادة بناء موطئ قدم داخل المنطقة. وتزعم المصادر أن الجيش الإسرائيلي يرصد هذه التحركات منذ 5 أسابيع، وأنه يواجهها بواسطة الغارات الجوية والمدفعية ووحدات الهندسة القتالية، من دون إدخال قوات برية إلى جميع المواقع المستهدفة. وسمّى التقرير منطقة المنصوري، ضمن نطاق بلدية مجدل زون، مثالاً على هذه الجيوب، مشيراً إلى احتمال وجود عشرات المواقع المشابهة على امتداد المنطقة التي تريد إسرائيل إبقاءها خالية من أي وجود عسكري لحزب الله. لكن المعطيات المنشورة تبقى رواية عسكرية إسرائيلية غير مثبتة بصورة مستقلة. فلا الجيش اللبناني ولا اليونيفيل أصدرا خريطة تؤكد حدود ما يسمى "الخط الأصفر"، كما لم يقدم الجيش الإسرائيلي أدلة علنية كافية تثبت طبيعة التحركات التي ينسبها إلى حزب الله. تكمن خطورة الرواية في وظيفتها العملياتية والسياسية. فالحديث عن "جيوب" لا يصف تحركاً عسكرياً فحسب، بل يضع أساساً لتوسيع الغارات وعمليات الهدم، وربما لإدخال قرى وأحياء جديدة ضمن المنطقة التي تعتبرها إسرائيل مجالاً أمنياً خاضعاً لسيطرتها. كما يسمح هذا المصطلح لإسرائيل بقلب توصيف المشهد: بدلاً من الحديث عن قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، يصبح أي تحرك لبناني داخل هذه الأراضي، وفق الرواية الإسرائيلية، محاولة "تسلل" إلى منطقة أمنية قائمة. وهنا يبرز السؤال الأساسي: أين تبدأ هذه المنطقة وأين تنتهي؟ وهل تستند إلى اتفاق أو خريطة وافق عليها لبنان، أم إلى خط رسمته إسرائيل بقوة النار ثم بدأت تطالب الآخرين بالتعامل معه كأمر واقع؟ الزاوية الأكثر أهمية لا تكمن في تكرار ما تقوله القيادة الشمالية، بل في رسم خريطة دقيقة للقرى والأراضي الزراعية والممتلكات الواقعة داخل هذا الخط، ومقارنتها بخريطة انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل ومواقع القوات الإسرائيلية. فإذا تحولت "الجيوب" إلى عنوان دائم للعمليات، يكون الجنوب أمام مرحلة مختلفة: احتلال يرسم حدوده المتحركة، ثم يستخدم أي وجود في الأرض الواقعة خلفها ذريعة للقصف. وعندها لا تعود المعركة على موقع واحد، بل على تعريف الحدود نفسها.