مفارقة لافتة أن يتعرّض معارضو بشار الأسد ومنشقون عن جيشه خلال مرحلة الحرب وناشطون في الثورة السورية للملاحقة في سوريا اليوم بعد سقوط النظام بتهمة المعارضة للأسد، لكن هذا ما يحصل. فقد روت الصحافية عالية منصور تعرّضها للملاحقة الأمنية بسبب دعاوى تعود إلى حقبة النظام الساقط كانت مخابرات الأسد قد لفّقتها لها. نظام الأسد ومخابراته أصدروا عشرات مذكرات التوقيف بحق منصور، كلها سياسية باستثناء واحدة جنائية أصدرتها شرطة طرطوس عام 2012 مع العلم أن منصور خارج سوريا منذ عام 2005، وفق روايتها. ومن الواضح أن المذكّرة مفبركة وملفّقة، لأنها جنائية وتستوجب جرماً، فكيف لمنصور أن ترتكب الجرم الجنائي في طرطوس وهي خارج سوريا ومطلوبة لنظام الأسد؟ أجد نفسي مضطرة إلى توضيح ما حصل معي.في كانون الثاني 2025، وأثناء مغادرتي سوريا (يوم دخولي لم يكن قد تم تفعيل السيستم على الحدود)، أُبلغت بأنه، إضافة إلى الملفات السياسية العديدة بحقي التي جرت منذ زمن البائد، هناك ملف جنائي بحقي صادر عن شرطة طرطوس في العام 2012.قلت للضابط…— Alia Mansour عالية منصور (@aliamansour) September 13, 2026 أجد نفسي مضطرة إلى توضيح ما حصل معي. في كانون الثاني 2025، وأثناء مغادرتي سوريا (يوم دخولي لم يكن قد تم تفعيل السيستم على الحدود)، أُبلغت بأنه، إضافة إلى الملفات السياسية العديدة بحقي التي جرت منذ زمن البائد، هناك ملف جنائي بحقي صادر عن شرطة طرطوس في العام 2012. مع سقوط الأسد، بقيت المذكرة الجنائية الصادرة عن طرطوس. عند المعابر الحدودية، تظهر هذه المذكّرة، فتُمنح منصور إذناً بالخروج على أن تعالج الملف عند عودتها إلى سوريا. وعندما حاولت منصور معالجة القضية الجنائية، تبيّن أن الملف متلف في طرطوس، ولا أثر له في بيانات أمن طرطوس، لكن بيانات أمن دمشق تظهر جرماً جنائياً في طرطوس. تقول منصور لـ"النهار" إن تعقيدات حل هذا الملف كثيرة وصعبة، وتتطلب متابعة متواصلة، فلا يمكن إلغاء المذكرة في دمشق لأنها مسجّلة في طرطوس ووجب إلغاؤها هناك أولاً، ولا قدرة على إلغائها في طرطوس لأن لا بيانات لها هناك. وبالتالي، تواجه منصور أزمة بيروقراطية وتعقيدات عند دخولها وخروجها من سوريا. منصور ليست الوحيدة، بل إن معارضين آخرين يتعرضون لهذا النوع من الملاحقات الأمنية والتوقيفات بسبب قضايا تم تركيبها خلال عهد الأسد. وتروي منصور أن ناشطين ومنشوقين عن جيش الأسد يعودون إلى سوريا فيجدوا أنفسهم بقضايا ملفّقة من قبل نظام الأسد، بينها أعمال جنائية ماون خارج البلاد بتاريخ ارتكابها. مراسلة "النهار" في سوريا مروة برغش تقول إن هذه المشهدية تتكرر مع المساجين السابقين أيضاً، فسجناء صيدنايا الذين كانوا محكومين خلال عهد الأسد وكانت أملاكهم محجوزة، لا تزال أسماؤهم على قوائم المحكومين ولا تزال أملاكهم محجوزة، وحل هذه القضايا يتطلب متابعة فردية ولا آليات شاملة، لأن البرامج التي يتم العمل عليها عند السلطات السورية لا تزال نفسها ولم يتم تحديث بياناتها. سوريا الجديدة على مشارف إتمام عامها الثاني بعد سقوط الأسد. تركة الأسد كبيرة جداً وعمرها أكثر من 50 عاماً، وملفات كثيرة تنتظر حلولاً. حتى الآن، تقول منصور أن لا آلية فعلية لمعالجة هذه القضية بعد، ولهذا السبب بعض الملاحقات لا تزال موجودة، أبرزها المرتبطة بالمذكرات الجنائية، وكان نظام الأسد يسطّرها لاسترداد اللاجئين السياسيين في الخارج. وتطالب منصور بتسويات مشابهة لتلك التي حصلت مع بعض مناصري النظام السابق وفلوله، إذ لا يعقل أن يتحرّكوا بسهولة ومن دون تعقيدات في حين يواجه المعارضون الملاحقات! وتقترح متابعة كل القضايا الجنائية والمدعين، وفي حال غياب الأدلة وغياب المدعي، تسقط هذه المذكرات والقضايا. خلال إحدى زياراتها لأحد المقار الأمنية في طرطوس لمعالجة ملفها العالق، قال لها أحد الأمنيين "بكرا بطلعولكن عفو عام"، وكأن العفو العام حل للمعارضين. تستغرب منصور هذا الاقتراح، الذي لا يمثّل السلطات السورية وقد يكون العنصر الأمني اقترحه بشكل شخصي، لأن معارضة النظام "ليست جريمة ليتم العفو عنها"، والعفو ينطبق على الجرائم فقط. في المحصلة، فإن قضية المعارضين والمنشقين عن جيش الأسد والسجناء السابقين تستوجب حلولاً فعلية. البريوقراطية قاتلة، وتركة الأسد كبيرة، وبالتالي يحتاج الملف إلى جهود إدارية مركّزة وحلول عاجلة.