في كلمة اتسمت بلهجة تحذيرية حادة، توجّه النائب سامي الجميل إلى رئيس الحكومة نواف سلام، معتبراً أن حكومته أمام فرصة استثنائية لإعادة بناء الدولة، ومشدداً على أن فشلها لن يعني مجرّد استبدال حكومة بأخرى، بل قد يدفع لبنان، بحسب تحذيره، نحو التفكك. واستهل الجميل مداخلته، في جلسة مساءلة الحكومة، بالإشارة إلى أن المهلة المحددة للنواب بخمس دقائق تفرض الدخول مباشرة في صلب الملفات، قبل أن يخاطب سلام قائلاً إنه يتوجه إليه "بشكل وجداني"، مستعرضاً ما وصفه بمسار طويل من الأزمات التي عاشها لبنان خلال العقود الماضية، من الحرب الأهلية إلى الاحتلال السوري، وصولاً إلى الحروب التي اعتبر أنها اندلعت نتيجة "سلاح غير شرعي" وجرّت لبنان إلى ما سمّاه "ثلاث حروب إسناد". وربط الجميل هذه الحروب بما وصفه بـ"حرب إسناد بشار، وحرب إسناد السنوار، وحرب إسناد خامنئي"، معتبراً أنها أدت إلى احتلال أجزاء من لبنان وتدمير مناطق في الجنوب وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا. وخلال مداخلته، حصل تداخل داخل القاعة، ما دفع الجميل إلى الاعتراض على مقاطعته، مطالباً بتركه يكمل كلمته، ومشدداً على ضرورة الحفاظ على مستوى النقاش داخل مجلس النواب. وعندما قال الجميل إنه "لا يريد أن ينزل إلى هذا المستوى"، تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري، معترضاً على العبارة، فردّ الجميل موضحاً موقفه ومؤكداً أنه يقصد ضرورة أن يبقى النقاش داخل المجلس ضمن مستوى يليق بالمؤسسة وبالشهداء. وسرعان ما احتدم السجال مع النائب إيهاب حمادة، الذي ردّ على الجميل بحدة قائلاً: "أنا بشرّفك وكل شهيد بشرف هيدا المجلس"، ما استدعى تدخلاً من الرئيس بري الذي قال: "لا نقبل أن يقال هذا الكلام بحضورك". وبعد هذا التوتر، عاد الجميل إلى صلب مداخلته، مؤكداً أن المشكلة الأساسية في لبنان تكمن، برأيه، في أن الدولة لم تُبنَ بصورة مكتملة خلال العقود الماضية. ورأى أن الحكومة الحالية تمثل "أول حكومة من 55 سنة عندها موقف واضح وصحيح"، معتبراً أن وجود مؤسسات الدولة وسيطرتها على الجزء الأكبر من الأراضي اللبنانية يوفران فرصة مختلفة لبناء دولة فعلية، بعيداً من منطق الميليشيات وتعدد مراكز القرار. ووضع الجميل أمام سلام خيارين: إما القبول بالأمر الواقع والخضوع لما وصفه بتضييع الوقت والعرقلة والمزايدات، أو اختيار "الفعل" وفرض هيبة الدولة والقانون والدستور على جميع اللبنانيين من دون استثناء. وأطلق من على منبر المجلس تحذيراً من أن لبنان "رايح على التفكك"، معتبراً أن المجتمع اللبناني نفسه بات مهدداً بالتفكك نتيجة فقدان الأمل والثقة، فيما يتجه جزء من اللبنانيين إلى البحث عن حماية أو سند خارجي، ويستمر آخرون في الرهان على المحاور الإقليمية. وأكد أن دعم كتلة "الكتائب" للحكومة يأتي من اعتبارها "آخر مظهر وآخر فرصة لبناء دولة بلبنان"، محذراً من أن فشلها لن يؤدي، في تقديره، إلى ولادة حكومة بديلة فحسب، بل قد يفتح الباب أمام انهيار أوسع. وقال الجميل إن لبنان قد يكون أمام خطر الوصول إلى "الصوملة"، داعياً رئيس الحكومة إلى التعامل مع المرحلة باعتبارها فرصة أخيرة لإنقاذ الدولة. وفي رسالة مباشرة إلى سلام، خاطبه بالقول: "مني جايي إلك استقيل، جايي إلك احكم"، داعياً إياه إلى تحمل مسؤولياته وشدّ أزره وفرض هيبة الدولة والقانون والدستور على الجميع. وشدد على أن مسؤولية الحكم لا يمكن نقلها إلى الآخرين، محذراً من أن عدم تنفيذ القرارات التي اتخذتها الحكومة سيضعها أمام مسؤولية تاريخية، في وقت يواصل فيه الشباب مغادرة لبنان، ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى "تفريغ لبنان من شبابه". وختم الجميل مداخلته بدق "ناقوس الخطر"، مؤكداً أن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على الانتظار، وأن الحكومة أمام فرصة لا ينبغي إهدارها، لأن المطلوب، في رأيه، ليس إدارة الأزمة فحسب، بل اتخاذ القرارات اللازمة لحماية الدولة ومنع تفكك المجتمع.