نودع اليوم الرجل الذي رافقنا في مسيرتنا الكنسية والوطنية والشخصية وترك في كل واحد منا سر حضوره ذكرى وذخراً يرافقنا فيما تبقى لنا من العمر. الأباتي بولس نعمان بطلته المهيبة، وصلابة طبعه، وحضوره الكلي، وإصغائه الحثيث، وجديته، وروحه المرحة التي لازمته حتى الأخير، ومحبته التي لا تعرف حدوداً، ترك لنا علامات تفكر علينا استعادتها والتبصر ملياً بها في هذا الزمن الرديء، الذي دمر كل أسباب الكرامة الانسانية في بلادنا، وأحالنا إلى الجحيم الذي نعيشه. حمل في سيرته ملامح الشخصية المعمدانية التي جعلته طوال حياته، وفي كل ما قام به مرآة ليسوع احتجب وراءها في كل ما عمله وما قاله وما أضمره، لقد حرص في كل يوم من حياته أن يكون أميناً للخدمة الإنجيلية التي أوكلت آليه منذ بداية حياته. على مثال يوحنا المعمدان أمضى حياته يدل إلى حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم والذي يعمد بالروح القدس: أنا صوت مناد في البرية: قوموا طريق الرب … (يوحنا، 19-34). هذا هو سر حضوره الاحتجاب وراء كلمة الحياة التي دونتها الأناجيل أسفاراً حية في عمل الخدمة، والرحمة، والتجرد والمرافقة والجسارة التي لا مواربة فيها. "تعالوا إلي أيها المرهقون المثقلون وأنا أريحكم، وتتلمذوا لي فإني وديع ومتواضع القلب، تجدوا الراحة لنفوسكم… متى 11: 28-30. المدخل إلى سيرته هي موعظة الجبل وخلقية التطويبات". طوبى لفقراء الروح فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض، طوبى للمحزونين فإنهم يعزون، طوبى للجياع والعطاش إلى البر فانهم يشبعون، طوبى للرحماء فانهم يرحمون، طوبى لاطهار القلوب فانهم يشاهدون الله، طوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يدعون، طوبى للمضطهدين على البر فإن لهم ملكوت السموات… ( 5: 1-12) والكنسية اقترنت بالرهبانية التي التحق بها يافعاً وأمضى حياته في كنفها على الرغم من الخيارات التي أفسحت له والتي أزاحها دون تردد لأنه حسم أمره: النهاية سوف تكون حيثما كانت البداية. هذا الالتصاق الحميم بالرهبنة اللبنانية عاشه من خلال حرصه الدائم على روح الرفقة التي تنشأ عليها الرهبان، فقلما زارنا في البيت إلا وكان برفقة بطرس القزي، ويوسف القزي، ويوسف مونس، وامبروسيوس الحاج، ومرتينوس سابا،وبولس مسعد، وشربل شاينا، وشربل ليشع، ولويس ابو يونس واسطفان صقر، وقلما فرغ بيتنا من الرهبان الزائرين، اغناطيوس مطر، باسيل كسرواني، يوسف العجيل… روحانيته استمدها من تقاليد النسك الشرقي بوجهيها الداخلي والخارجي، من اڤاغريوس پونتيكس إلى مار انطونيوس الكبير وآباء الصحراء، ومن روح التمييز الضنين الذي تدرب عليه في الجامعة اليسوعية في بيروت وروما (الغريغوريانا) حيث درس الفلسفة واللاهوت والقانون المدني والتاريخ والأركيولوجيا الپليو مسيحية والتاريخ الكنسي، ومن روحانية القديس مبارك، أب الحياة الرهبانية الغربية التي تنعقد حول مفاصل أساسية، الصلاة والعمل، والتماسك الروحي والنفسي، وتلافي الازدواجية المسلكية وزيف المشاعر. هذا التماسك الروحي والمسلكي قاده في حياته بشكل منهجي لم يحد عنه، لا في انضباط مسلكه الرهباني في الصلوات الجماعية، والتزام النذور الرهبانية، وروح الرفقة التي التزمها كل حياته، والحرص على جعل الحياة الرهبانية على تماس يومي مع مجتمعها كما عاشته الرهبنة اللبنانية خلال تاريخها المديد. لم نلحظ يوما في سلوكه خروجاً عن روح الخدمة، انتخب لمرة واحدة رئيسا عاماً في ظروف حالكة في قهرها استوجبت رجل العمل الصامت، والصلب، والفاعل، والخادم الغيور، والانسان المحب، والراهب المضياف الذي شرع أبواب دير الرئاسة العامة في دير مار انطونيوس بيروت ليل نهار لكل طارئ ومحتاج ومريض ومتألم ومصاب، الذي كان يقصده شخصياً، لأنه كان يعرف تمام المعرفة أنه آت إلى بيته وعند أخيه ولاحرج عنده. زمن دراسته في روما، تلمس أساتذته في الجامعة الغريغورية والرهبان البنديكتيون الذين عاش بمعيتهم مع رهبان آخرين، يوحنا خوند، لويس خوند، ادمون أشقر، يوسف الأشقر، طوال ست سنوات، موهبته الدپلوماسية وألحّوا عليه الالتحاق بمدرسة الديپلوماسية البابوية، فلبى الدعوة لبضعة أشهر وآثر تركها والعودة إلى الرهبنة الأم والى البلد الذي سكنه طوال حياته لمتابعة عمل الخدمة التي ابتدأت مع بوادر الزمن الصعب الذي أسس للحروب المتوالية على أرضنا. ابتدأت حياة الخدمة الجديدة في إدارة المدرسة الثانوية التابعة لجامعة الروح القدس، والتعليم الجامعي، وإنشاء معهد التاريخ والدفع بالبرامج البحثية من أجل استجلاء طبيعة المسار التاريخي واللاهوتي والاكليسيولوجي الذي يؤسس لحضور كنسي فاعل على أبواب الالفية الثالثة، وبلورة المسارات التاريخية التي مهدت لنشأة الكيان الوطني اللبناني، الأمر الذي دفعه إلى التعرف والتعاون مع المؤرخين العاملين في دائرة التاريخ في الجامعة الاميركية وهم الاساتذة الكبار نق