جاد أيقظ داخلي روح الإنسانية التي تتجاوز جفاف الأقلام، فبين استغاثة والديه ومرارة الواقع تتهاوى الكلمات عاجزةً أمام هول الحكاية ويغدو الصمت أبلغَ من كلّ ما يُمكن أن يُكتب. ثلاثة ملايين دولار هي ثمن دواء قد يوقف زحف مرض الدوشيني. رقمٌ أثقل حلقي بغصّة وأيقظ في رأسي سؤالاً مريراً: أيُرهق هذا المبلغ كاهلَ والدين أضناهما السهر لتأمين علاج ابنهما، أم قلوبنا أمام معنى التضحية؟ يقف جاد على عتبة خطرة يُنازع وجعاً صامتاً قبل أن يخطف المرض ما تبقّى من خطواته الأخيرة. أعوام من الغموض في رحلة التشخيص لم تكن والدة جاد تعلم أنَّ صعوبة عابرة في صعود الدرج ستقودها إلى سنواتٍ من القلق ثمَّ إلى تشخيصٍ ثقيل سيُغيّر حياة العائلة إلى الأبد. فإبنها البكر الذي وُلد طفلاً سليماً ونما في أعوامه الأولى بصورة طبيعية خالية من أيّ مؤشّرات مقلقة ما كان ليُثير أيّ شكوك طبّية، لذلك لم تبدُ خطواته المتعثّرة سوى ضعف عضلي عابر سيتبدّد حتماً مع الوقت ليشتد ساعده. غير أنَّ الحقيقة كانت تُخبِّئ خلفها مساراً مختلفاً تماماً عمّا ظنّته العائلة والمحيطون بها. ظلّ ضمور العضلات الدوشيني "Duchenne Muscular Dystrophy - DMD" خفيّاً عن مدارك والديه، خصوصاً مع تكرار زيارات جاد لأطباء الأطفال حيث كانت الأمور مطمئنة في الظاهر، فيما تُقابل شكواه المتقطّعة من الألم بتفسيرات أخرى. عندما خضع لفحصٍ لدى طبيب عظام في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، لم تبرز أيّ دلائل تدعو إلى الشكّ في وجود مشكلة عضلية. مرّت السنوات والعائلة تظنّ أنَّ ما يُعانيه طفلها هو ضعف يحتاج إلى التقوية. فقد خضع للتمارين والعلاج الفيزيائي، لكن الصعوبة بقيت فيما ظلّت والدته تُراقبه بحيرة حتى اقترب من عامه السابع. في تلك المرحلة، لم تعد مشقّة المشي وصعود الدرج موقّتة، إذ أظهرت الفحوص ارتفاعاً هائلاً في إنزيم "CK" وإنزيمات أخرى، ما أثار الشكّ بوجود مشكلة عضلية تستدعي مزيداً من التقييم. سباق مع الزمن لاستعادة عافية جاد خضع جاد لتقييم دقيق لدى اختصاصيي الأعصاب وهناك سمعت العائلة للمرّة الأولى الإسم الذي لطالما خشيت مواجهته: "ضمور العضلات الدوشيني". لم يكن التشخيص مألوفاً لهما ولا سهلاً على النفس، إذ خضع جاد لفحص جيني أُرسلت عيّنته إلى ألمانيا وبعد أسبوعين أكّدت النتيجة إصابته بالمرض مع طفرة جينيّة مرتبطة بحذف أو تغيّر في الإكسونات الممتدة من 18 إلى 30، وفقاً لما أُبلغا به. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المتابعة الطبّية والعلاج الفيزيائي جزءاً جوهرياً من حياته للحفاظ على قدراته لأطول مدة ممكنة. ومن خلال النقاش مع معالجته الفيزيائية، تبيّن أنَّ جاد يُواظب منذ نحو أربع سنوات على جلسات أسبوعية للحفاظ على قدراته الحركية والتنفّسية والحدّ من تدهورها. بدأت والدته تلمس تراجعاً تدريجياً في مشيته وتأثيراً متزايداً للمرض ومع ظهور علاج جيني قد يُحافظ على قدراته، تواصلت العائلة مع مستشفيات داخل لبنان وخارجه حتى أكّد مستشفى "الجليلة" في دبي أهليّته للعلاج. اصطدم الأمل بتكلفة باهظة تبلغ ثلاثة ملايين دولار في وقت يقترب فيه من عامه الثاني عشر، وهي السنّ التي قد يفقد فيها القدرة على المشي كلياً. تُواصل العائلة سباقها مع الوقت لتأمين العلاج، متمسّكةً بأمل واحد: "لن نستسلم حتى شفائه". الدوشيني مرض يسرق خطوات الأطفال (Pexels) يُذكر أنَّ "الدوشيني" مرض جيني وراثي نادر وتدريجي ينجم عن نقص حادّ في بروتين "الديستروفين" المسؤول عن حماية ألياف العضلات. يُؤدّي هذا الخلل إلى تدهور عضلي مستمرّ يبدأ في الأطراف السفلية ليحرم الطفل القدرة على المشي ويمتد لاحقاً لِيُهدّد عضلات الجهاز التنفّسي والقلب، ما يجعل السباق مع الزمن قضية حياة أو موت. تتوافّر طرق التبرّع لمن يرغب في إحداث الفارق وإنقاذ حياة جاد: مشاركة الحملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تُساهم أيضاً في إيصال صوته إلى أوسع نطاق، لِتتّسع دائرة التضامن قبل فوات الأوان.