في مواجهة العاصفة التي أثارها فيلم "نزا"، يتحرك الجيش الإسرائيلي على جبهة موازية للعمليات العسكرية، واضعاً نصب عينيه معركة الرأي العام الدولي، عبر جمع مواد ووثائق وشهادات من حرب غزة، بينها حالات لضربات أُلغيت أو عُدلت خشية سقوط مدنيين، في محاولة للرد على الاتهامات الواردة في الفيلم بالأدلة الميدانية لا بالنفي وحده. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" الإسرائيلي، بدأ الجيش الإسرائيلي، بتوجيه مباشر من رئيس الأركان إيال زامير، جمع مواد تتعلق بضربات كان مخططاً لتنفيذها في قطاع غزة قبل أن يتم إلغاؤها. ويأتي هذا التحرك فيما يثير فيلم «نزا» ضجة واسعة، إذ بدأ الجيش الإسرائيلي مساراً واسعاً يهدف إلى تقديم رد على الاتهامات القاسية التي يتضمنها الفيلم، ليس فقط من خلال نفيها، بل عبر عرض مواد وأدلة وتوثيق عملياتي من الحرب في قطاع غزة. وقال مسؤولون في الجيش إن الأمر بات بمثابة "عملية عسكرية فعلية" تهدف إلى مواجهة ما يصفونه داخل المؤسسة العسكرية بأنه "فرية دم". ويرتكز التحرك بصورة أساسية على جمع وعرض حالات جرى فيها إلغاء ضربات كانت مخططة مسبقاً أو تعديلها، بعد ظهور مخاوف من احتمال إصابة مدنيين. ويريد الجيش الإسرائيلي من خلال هذه الحالات إظهار كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بالضربات، والجهود التي يقول إنه يبذلها لتقليص الأذى الذي قد يلحق بالسكان غير المشاركين في القتال إلى أدنى حد ممكن. وبالتوازي، يعمل الجيش على جمع مواد تتعلق بما يقول إنه استخدام من جانب حماس للبنى التحتية المدنية، بما في ذلك مبانٍ ومساجد ومستشفيات ومنشآت إنسانية. ويهدف هذا المسار، وفق الجيش الإسرائيلي، إلى تقديم صورة أوسع لطبيعة ساحة القتال في غزة، والطريقة التي يقول إن حماس تدمج من خلالها البنى التحتية العسكرية داخل المناطق المدنية. وتشمل المواد التي يجري جمعها أيضاً شهادات لجنود وأفراد من الطواقم الجوية ومشغلي الطائرات من دون طيار وعناصر استخباراتية، إلى جانب توثيق لأنشطة وعمليات عسكرية. ويريد الجيش الإسرائيلي استخدام هذه المواد ضمن سلسلة مقابلات مع وسائل إعلام في إسرائيل والعالم، على أن تشمل قائمة المتحدثين ضباطاً كباراً وجنوداً ومشغلي طائرات مسيّرة وطيارين. ويقود المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي هذا التحرك بالتعاون مع مسؤولين كبار في هيئة الأركان العامة، وسط إدراك داخل المؤسسة الأمنية بأن الفيلم، الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية ويستند، وفق ما يُقال، إلى شهادات عسكريين وعناصر استخبارات إسرائيليين، قد يتحول إلى أداة مؤثرة في الحملة الدولية ضد إسرائيل. وفي موازاة ذلك، يوجّه مسؤولون في الجيش الإسرائيلي انتقادات حادة إلى صنّاع الفيلم، إذ يقولون إن القائمين عليه لم يتوجهوا إلى الجيش للحصول على رده بشأن الأحداث التي يعرضها. وبحسب الرواية العسكرية الإسرائيلية، علمت المؤسسة الأمنية بوجود الفيلم وبمضامينه من خلال ما نُشر عنه في وسائل الإعلام. وفي إطار الاستعداد للرد على صنّاع الفيلم، بدأ الجيش الإسرائيلي أيضاً فحصاً معمقاً لحالات وردت فيها ادعاءات بأن مدنيين قُتلوا عمداً. ويشمل الفحص حالات تخضع أساساً لتحقيقات مفتوحة، إلى جانب أحداث يُتوقع أن تُفتح بشأنها عمليات تدقيق أو تحقيقات. ويشدد الجيش الإسرائيلي على أن مجرد عرض ادعاء في الفيلم لا يحوله إلى حقيقة، معتبراً أن كل واقعة يجب أن تُفحص استناداً إلى المواد الأصلية والظروف العملياتية الخاصة بها. وكان الجيش قد رفض علناً بالفعل أبرز الادعاءات التي طرحها الفيلم، بما فيها ما يتعلق بطريقة اختيار الأهداف واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويقول مسؤولون عسكريون إنه، على الأقل بالنسبة إلى جزء من الادعاءات التي ظهرت في المقاطع الترويجية والمنشورات المبكرة عن الفيلم، فإن الصورة المعروضة "خاطئة تماماً". واستخدم مسؤولون في الجيش الإسرائيلي تعابير قاسية في توصيف الفيلم، من بينها "كذب" و"فرية دم"، معتبرين أنه يقدم صورة أحادية الجانب عن الحرب ويتجاهل النشاط العسكري لحماس داخل التجمعات السكانية المدنية. والآن، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى نقل المواجهة إلى ملعب مختلف: تصريحات أقل، ووثائق وتسجيلات وشهادات أكثر، يقدمها أشخاص كانوا داخل غرف القيادة وعلى متن الطائرات. ويبقى الرهان الأساسي بالنسبة إلى الجيش على مدى قدرة هذه المواد على تغيير الصورة التي يرسمها فيلم «نزا» أمام الجمهور الدولي، والأهم، على ما إذا كان سيتمكن من استخدامها لإثبات أن الواقع العملياتي في غزة أكثر تعقيداً بكثير من الصورة التي يعرضها الفيلم. وبذلك، تنتقل المواجهة حول «نزا» من شاشة السينما إلى معركة على الرواية والأدلة، في اختبار ستكون ساحته الأساسية الرأي العام الدولي بقدر ما هي المؤسسة العسكرية نفسها.