يُعدُّ التاريخ الوثائقي لحياة المدن الاجتماعية بابًا تجريبيًا في السوسيولوجيا، غالبًا ما يعتمده باحثون جامعيون وأكاديميون للكشف عن تاريخ التركيب الاجتماعي المحلي، الخاص والبطيء للمدن، راويًا فصول نشأتها وتطورها، عادات أهلها وسكانها، تقاليدهم وحياتهم اليومية، ومستطلعًا المؤسسات التي ينشئونها لتدبير معاشهم وشؤونهم... وفي تأليفها كتاب "الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال الانتداب البريطاني حتى عام 1948" -صدر لدى "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، بيروت، 2026- تضيف الباحثة الفلسطينية المولودة في عمان رزان عبد الحليم عابدين، "أسواق المدينة القديمة، وبيوتها العامرة بدفء الحكايات العتيقة" لإعادة رسم صورة المدينة في أيام الانتداب البريطاني على فلسطين (1918- 1948). أما مادة تأليف الكتاب -وهو كان قد قُدّم كبحث لحصول صاحبته على شهادة دكتوراه من الجامعة الأردنية -فهي سجلات المحاكم الشرعية في مدينة الخليل، دفاتر الزواج ووثائق الأوقاف والمجلس الإسلامي الأعلى، الوثائق البريطانية الصادرة عن حكومة فلسطين، والصحف المحلية في المدينة، إضافة إلى أرشيفات ووثائق عائلية، ومقابلات شفوية مع كبار سن عايشوا تلك الحقبة في الخليل، كي تجمع الباحثة بين "صرامة الوثيقة وحرارة الذاكرة". مقدمات تاريخيةيقدم هذا الكتاب صورة بانورامية عن الحياة الاجتماعية في الخليل طوال 30 سنة، شهدت فيها المدينة تحولات جذرية، عمرانية وسياسية واجتماعية واقتصادية وسكانية، حينما كان أهلها من طوائف وأعراق عدة، فتعرضت لاضطرابات نجمت عن السياسات البريطانية والتفاعلات بين سكان المدينة. وكان الأثر الأبرز لتلك السياسات "خروج اليهود بصورة نهائية من الخليل، بعد ثورة البراق سنة 1929، والتي أحدثت تغيرات جوهرية في تركيب المدينة السكاني". ومدينة الخليل من "أعرق" المدن الفلسطينية وأقدمها في جنوب فلسطين. وتُعدّ أيضًا "رابع أقدس مدن الإسلام، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس، بسبب وجود المسجد الإبراهيمي فيها". وهو شُيّد على "مغارة المكفلية التي تحوي قبر النبي إبراهيم، وأبنائه اسحق ويعقوب، وزوجاتهم سارة ورفقة ولائقة". واستمدت المدينة اسمها من وصف القرآن النبي إبراهيم بأنه "خليل الله". وعرفت الخليل أسماء متنوعة في تاريخها الأقدم: "قرية أربع" نسبة للملك الكنعاني، وللقرى الأربع التي تكونت منها المدينة، وهي حبرى أو حبرون، المرطوم، بيت عينون، وبيت إبراهيم. وارتبطت الخليل بمدينة القدس التي تبعد عنها مسافة 36 كلم، في "حادثة الإسراء والمعراج" النبوية، وبوجود "التكية الإبراهيمية" الصوفية فيها. وفي حقبة الانتداب البريطاني أصبحت الخليل مركز قائمقامية تابعة للواء القدس. وارتفع عدد سكانها من 53 ألف نسمة سنة 1922، إلى أقل بقليل من 90 ألف نسمة سنة 1945. وهي صارت عاصمة جنوب فلسطين، وساهمت بقوة في مقاومة البريطانيين وسياساتهم ومقاومة الاستيطان الصهيوني، في ثورة البراق (1929) وفي الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936. اليهود والمسيحيونشكل السكان المسلمون من أصول عربية وكردية وتركية الغالبية العظمى من سكان الخليل، إلى جانب اليهود والمسيحيين.وتسهب الباحثة في تقصّي أوضاع اليهود فيها، وهم يعتبرونها مقدسة، وشهدت ازدياد حضورهم بعد ترحيلهم من الأندلس. وهؤلاء من طائفة السفارديم الشرقية المعتبرين من قدامى مواطني المدينة إلى جانب مسلميها ومسيحييها. أما الأشكناز فهم من اليهود الغربيين الذين هاجروا إلى فلسطين في القرن التاسع عشر. وقد سادت بين اليهود والمكونات الأخرى في المدينة علاقات تجاور ودي ووئام قبل الانتداب البريطاني. وضاقت حارة اليهود الخليلية القديمة بسكانها المهاجرين الجدد، فانتقلت من حارتهم عائلات أقامت على الطرق المؤدية إلى القدس. وأدت انتفاضات الفلسطينيين على سلطات الانتداب البريطاني والاستيطان اليهودي الجديد في فلسطين في 1929 و1936، إلى إجلاء السكان اليهود من مدينة الخليل، بعدما قتل 60 يهوديًا و12 من العرب المسلمين. وقد آوى سكان المدينة نحو 350 عائلة يهودية وحموهم، قبل إقدام البريطانيين على إجلائهم إلى القدس. وكان من نتائج هذه الحوادث: فرض السلطات البريطانية غرامة مالية قاسية على أهالي الخليل قدرها 14 ألف جنيه، فجرّت معاناة ثقيلة على الأهالي بسبب أوضاعهم الاقتصادية الصعبة. ومن ثم جرى إعدام 3 أشخاص من المدينة. أما سكان الخليل النصارى المحدثين فتكونوا في المدينة من أبناء الإرساليات التبشيرية في الحقبة الأخيرة من حكم السلطنة العثمانية. وفي العام 1868 شيدت الكنيسة المسكوفية (نسبة إلى موسكو عاصمة القيصرية الروسية الأرثوذكسية) كنيسة ودير للراهبات على قطعة أرض في الخليل استأجرتها الكنيسة من السلطات العثمانية. وكان للمؤسسات الرهبانية هذه موظفون أقاموا في المدينة بأعداد متواضعة. لكن السلطات البريطانية أجلت معظمهم، بعدما