على رغم مضي أيام على زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون المفاجئة للنبطية، ما زالت أصداؤها مستمرة والحديث عن أبعادها ومقاصدها يتوالى.هذه الزيارة كانت استثنائية، سواء لجهة التوقيت أو لجهة وقعها في الوسط الشيعي الحزبي والشعبي.لا ريب في أن في صف خصوم "حزب الله" من رآها "ضربة معلم" من جانب سيد القصر، إذ صوّروها على أنها "عملية اقتحام" في الوقت المناسب من الرئاسة الاولى، لمعقل شيعي موالٍ للثنائي الشيعي مع أرجحية جلية للحزب، وأتت أيضا في لحظة كانت كل الأنظار مشدودة نحو حاضرة جبل عامل التاريخية، مقرونة بتكهنات تجزم بأنها ستكون الهدف التالي للدبابات الإسرائيلية بعد تلة علي الطاهر المشرفة عليها.وثمة بعد آخر للزيارة تمثل في أنها أتت بعد ساعات على سريان معلومات عن تفاهم رئاسي، مؤيد أميركيا، يقضي بانتشار وحدات من الجيش أو القوى الأمنية اللبنانية في المدينة، لتكون هذه الخطوة إثباتا لمن يعنيهم الأمر أن المدينة المهددة غدت في عهدة الدولة، وخرجت تلقائيا من سيطرة الحزب، مما يبطل ذريعة الإسرائيلي الذي لوّح مرارا بأن النبطية ستكون هدفه التالي. بصرف النظر عن دقة هذه المعلومة، الثابت أن زيارة عون كانت خطوة نوعية جريئة تنطوي على دلالتين: - الدولة لم تترك الجنوب والجنوبيين، لذا سرعان ما حضرت إليهم عندما سنحت الظروف، وهذا هو محور تصريحات عون إبان جولته.- حضر عون إلى الجنوب وجال فيه من دون أن تسجل أيّ أحداث تثبت أن الجنوب على طرف نقيض من الرئاسة الأولى ونهجها التفاوضي.بمعنى آخر، كانت الزيارة شاهدا على تهافت معادلة سعى البعض إلى ترسيخها، مفادها أن بين الجنوب والعهد الجديد فجوة واسعة، بل إن كلّا منهما يقف على طرف نقيض من الآخر.وثمة من ذهب إلى استنتاج آخر. فمع أن الزيارة في طياتها تثبت أنها مبادرة تهدئة أولية شاءتها الرئاسة الأولى مع الحزب الذي أبدى تجاوبا، من خلال "الامتناع" عن التصدي لها، ومن خلال السماح لفاعليات محلية محسوبة عليه بالمشاركة في فاعليات الزيارة، ينفي الحزب هذه الفرضية ويستبعد أن تكون الزيارة مقدمة للتهدئة بينه وبين سيد القصر. ويقول مصدر إعلامي في الحزب لـ"النهار": "لهذه الزيارة هدف آخر مغاير تماما، إذ يُقصد منها التغطية على الفراغ الذي نجم عن تأجيل المفاوضات المباشرة من الجانب الإسرائيلي، مما أوقع السلطة في حال من الخيبة، وشكّل ضربة إضافية للرئاسة الأولى التي تدافع عن هذه المفاوضات بكل ما أوتيت من قوة".ولا ينفي المصدر إياه أن الحزب كان على علم بالزيارة وشاء أن تمر بسلام حتى لا يقال إننا نعترض على حضور الدولة في الجنوب، "ولكن لنا أن نسأل مع الجنوبيين عن النتائج العملية لهذه الزيارة للجنوب ولأهله، فالأهم عندنا هو كيف يترجم الكلام على دعم الجنوب وإعادة إعماره من خلال أرقام موازنة العام المقبل؟"ويستطرد: "كان للرئيس نواف سلام ثلاث زيارات للجنوب منذ توليه رئاسة الحكومة، آخرها زيارته لزوطر، لكنها يا للأسف كانت زيارات شكلية وبلا قيمة. وللجنوبي أن يسأل أيضا عن نتائج الزيارة على منع الإسرائيلي في التمادي في عدوانه على الجنوب".ويخلص إلى القول: "الجنوبيون لم يعودوا مأخوذين بصورة المسؤولين يجولون بين ظهرانيهم، فهم ينتظرون أفعالا تردم الهوة التاريخية بينهم وبين السلطات والعهود المتعاقبة".