من تعدّد المحافظ والمنصات إلى شبكة دفع وطنية واحدةمنذ الأزمة المالية التي بدأت عام 2019، تغيّرت طريقة تعامل اللبنانيين مع الأموال بشكل كبير. تراجع دور القطاع المصرفي التقليدي، توسّع الاعتماد على النقد، وفي المقابل ازدادت أهمية شركات تحويل الأموال والمحافظ الإلكترونية ومقدّمي خدمات الدفع.وتظهر أرقام مصرف لبنان حجم هذا التحول. فقد ارتفع عدد المؤسسات التي تقدّم العمليات الإلكترونية من 11 مؤسسة عام 2019 إلى 25 مؤسسة في حزيران 2025، أي بزيادة بلغت 127%. وفي نهاية 2025 بقي العدد عند 25 مؤسسة، فيما ارتفع عدد نقاط الخدمة من 3,955 نقطة في 2024 إلى 4,836 نقطة في 2025، بزيادة 22.3% خلال عام واحد. كما بلغ عدد المؤسسات التي تشغّل محافظ إلكترونية نشطة 19 مؤسسة في 2025، مقارنة بـ12 فقط في كانون الأول 2024. [1][2]لكن مع هذا التوسع، يبرز سؤال أكبر: هل يكفي أن يمتلك لبنان عدداً متزايداً من المحافظ وشركات الدفع، أم يحتاج إلى شبكة وطنية تربطها جميعاً؟ وماذا لو استطاع المواطن إرسال الأموال فوراً من أي محفظة أو مصرف إلى أي محفظة أو مصرف آخر؟ هل يمكن لهذه البنية أن تخفف الاعتماد على النقد؟ هل تساعد على كشف أنماط الاحتيال وغسل الأموال والجرائم المالية بصورة أكثر فعالية؟ وهل يمكن أن تدعم جهود الدولة في تحسين الامتثال الضريبي ومكافحة التهرب؟ وهل تؤدي إلى منافسة أكبر ورسوم أقل وشمول مالي أوسع؟ وفي المقابل، كيف نحمي خصوصية المواطن وبياناته المالية ومن يملك حق الوصول إليها؟هذه الأسئلة تقود إلى فكرة Lebanon Instant Payment System - LIPS، أو «النظام اللبناني للمدفوعات الفورية»: بنية وطنية مشتركة تربط المصارف والمحافظ الإلكترونية ومقدّمي خدمات الدفع المرخصين، تحت تنظيم وإشراف مصرف لبنان.ما هو LIPS ببساطة؟تخيّل أنك تستخدم محفظة إلكترونية معيّنة، بينما الشخص الذي تريد إرسال المال إليه يستخدم محفظة أخرى أو حساباً مصرفياً. بدلاً من أن يحتاج كلاكما إلى استخدام الشركة نفسها، ترسل المال من تطبيقك ويستلمه الطرف الآخر مباشرة في التطبيق أو الحساب الذي يستخدمه هو.هذا هو مفهوم قابلية التشغيل البيني (Interoperability): أي أن المحافظ والمصارف لا تبقى جزراً منفصلة، بل تصبح مرتبطة عبر شبكة مشتركة. وبالتالي، لا تقوم الفكرة على أن ينشئ مصرف لبنان محفظة جديدة تنافس القطاع الخاص، بل أن ينشئ أو ينظم الطريق الذي يسمح لجميع المؤسسات بالتواصل فيما بينها.لبنان لا يبدأ من الصفر: ماذا عن BDL-RTGS وBDL-CLEAR؟يمتلك مصرف لبنان بالفعل بنية أساسية مهمة يمكن البناء عليها. فقد أطلق BDL-RTGS في تموز 2012، وهو نظام التسوية الإجمالية الآنية الذي يتيح التسوية النهائية والفورية للمدفوعات بين المؤسسات المشاركة. ويمكن تبسيط دوره بأنه الطبقة التي تُسوّى عبرها الأموال فعلياً بين المؤسسات لدى مصرف لبنان. [3]أما BDL-CLEAR، الذي أطلق في تشرين الثاني 2013، فهو نظام آلي لمدفوعات التجزئة والمقاصة، ويعالج أدوات مثل الشيكات والتحويلات المباشرة ومعاملات البطاقات وATM وPOS. وهو نظام للعمليات ذات القيمة المنخفضة والحجم الكبير، على أن تتم تسوية نتائج المقاصة من خلال حسابات RTGS. [3][4]وبصيغة مبسطة: BDL-CLEAR يحسب ما للمؤسسات وما عليها نتيجة مجموعة كبيرة من المدفوعات؛ BDL-RTGS ينفذ التسوية النهائية للأموال بينها؛ أما LIPS المقترح فيضيف الطريق الفوري الذي يسمح للمستخدمين بالدفع والتحويل بين المؤسسات المختلفة. وهكذا لا يستبدل LIPS الأنظمة القائمة، بل يمكن أن يبني عليها ويوسّع استخدامها نحو اقتصاد المدفوعات الفورية.ما الفوائد التي يمكن أن يحققها LIPS؟أولاً، قابلية التشغيل البيني والمنافسة. إذا أمكن التحويل بسهولة بين جميع المؤسسات، لن يضطر المواطن إلى اختيار محفظة لأن الأشخاص الذين يتعامل معهم يستخدمونها. تصبح المنافسة أكثر ارتباطاً بالرسوم، وجودة التطبيق، وخدمة العملاء، والأمان والابتكار. وتظهر تجربة Pix البرازيلية أن البنية العامة للمدفوعات الفورية يمكن أن تعزز المنافسة وقابلية التشغيل البيني، وتخفض التكلفة، وتدعم الشمول المالي. وقد وصل Pix إلى نحو 67% من البالغين في البرازيل خلال أكثر بقليل من عام على إطلاقه. [7]ثانياً، تقليص الاعتماد على النقد. وجود تحويلات فورية منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام يعطي المواطن والتاجر سبباً أكبر للاحتفاظ بالأموال وتحريكها رقمياً بدلاً من العودة إلى النقد بعد كل عملية. وقد أكد صندوق النقد الدولي في مشاوراته مع لبنان أهمية إعادة بناء الوساطة المصرفية والابتعاد عن الاقتصاد القائم على النقد. [6]ثالثاً، الشمول المالي. يستطيع المستخدم الذي يعتمد على محفظة إلكترونية مرخصة المشاركة بصورة أوسع في الاقتصاد الرقمي، وإرسال الأموال واستقبالها من مستخدمي مؤسسات أخرى، من دون أن تكون الشبكة محصورة