لا تُقاس قيمة الملايين التي تُنفق في سوق الانتقالات بعدد الصفقات الجديدة، وإنما بقدرتها على صناعة الفارق. فالإنفاق الضخم قد يمنح الانطباع بأنّ مشروعاً كبيراً قيد التشكيل، لكنه في أحيان كثيرة لا يتجاوز كونه غطاءً موقتاً لعيوب هيكلية لا تلبث أن تكشفها النتائج والأرقام. لهذا، فإنّ منح أي فريق الوقت لكي تنسجم عناصره الجديدة مع أفكار مديره الفني يبدو منطقياً، لكن هناك نقطة يتحوّل عندها التأقلم من عذر مشروع إلى سؤال أكثر خطورة: هل تكمن المشكلة في التنفيذ أم في الفكرة نفسها؟ اقترب توتنهام مبكراً من هذه النقطة تحت قيادة الإيطالي روبرتو دي زيربي. فقد جاء التعاقد معه محملاً بطموحات بناء مشروع طويل الأمد يستند إلى هوية واضحة، إلا أنّ البداية الصادمة فتحت الباب أمام شكوك تتجاوز مسألة الانسجام الطبيعي بين المدرب واللاعبين، بعدما ظهرت فجوة واسعة بين ما يفترض أن يحتاجه أسلوب دي زيربي وما يقدمه الفريق فعلياً على أرض الملعب. أنفق توتنهام أكثر من 300 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع 10 صفقات جديدة، لكن هذا الاستثمار الكبير لم ينعكس حتى الآن على صورة الفريق. ففلسفة دي زيربي تقوم الى درجة كبيرة على المخاطرة المحسوبة في بناء اللعب من الخلف، واستدراج المنافس إلى الأمام، واستغلال المساحات التي يتركها خلفه، وهي آلية تحتاج إلى لاعبين يتمتعون بقدرات فنية عالية تمكنهم من التحرّك الذكي من دون كرة. وحين لا تتوافر هذه العناصر، تتحوّل المخاطرة من وسيلة لصناعة التفوّق إلى نقطة ضعف يستغلها المنافس. المدرب الإيطالي روبرتو دي زيربي. (إكس) المشكلة لا تتوقف عند حدود البناء أو جودة التمرير، بل تمتد إلى الجانب البدني والتكتيكي. فأسلوب دي زيربي يفقد جانباً كبيراً من فاعليته إذا لم يتبعه ضغط جماعي قوي وسريع عقب فقدان الكرة، بينما تكشف الأرقام عن وجود توتنهام في أسفل ترتيب معدلات الجري وقطع المسافات، وحتى الاعتراضات الناجحة. هذه المؤشرات لا يمكن فصلها عن مسؤولية الجهاز الفني، سواء كانت الأزمة مرتبطة بالإعداد البدني أو بغياب الحدة والرغبة في تنفيذ المطلوب. وفي الثلث الأخير، يتحوّل امتلاك الكرة إلى غاية بدلاً من أن يكون وسيلة لصناعة الخطورة. وجود توتنهام في المركز الثامن عشر من حيث صناعة الخطورة، وقبل الأخير في الأهداف المتوقعة، إلى جانب عجزه عن التسجيل في الدوري حتى الآن، يعكس أزمة هجومية لا يمكن اختزالها في سوء الحظ. فالبناء من الخلف الذي يفترض أن يكون نقطة انطلاق إلى الهجوم أصبح أقرب إلى تدوير متكرّر للكرة، من دون اختراق حقيقي أو حلول كافية أمام دفاعات تعرف كيف تغلق زوايا التمرير وتمنع الفريق من الوصول إلى مناطق التأثير. الانسجام يحتاج إلى وقت عندما تكون هناك مؤشرات على أنّ الفكرة تعمل وأنّ الفريق يصنع الفرص ويهدرها. أما حين يجتمع غياب الحدة البدنية مع انعدام الخطورة، والعجز عن التسجيل، والتواجد في المركز السابع عشر من الجدول، فإنّ الانتظار لم يعد حلاً كافياً لأنّ توتنهام انتقل من مرحلة بناء مشروع جديد إلى مواجهة أزمة هوية.