فجر الحادي والعشرين من آب/ أغسطس عام 2013 لم يكن يوماً عادياً في حياتنا نحن السوريين، وفي حياة سكان دمشق على وجه الخصوص. أتذكر أنني سهرت حتى ساعات الصباح على شرفة منزلي في حي التجارة، كما كنت أفعل كثيراً في تلك الفترة، أستمع إلى أصوات القذائف والرصاص الآتية من جهة جوبر، أصوات أصبحت جزءاً من يوميات المدينة حتى كدنا نعتاد ما لا يمكن لإنسان أن يعتاده، فيما كنت أفكر كيف تستطيع مسافة قصيرة أن تغير مصائر الناس، وكيف يمكن لساحة العباسيين، التي أحببتها دائماً، أن تكون الفاصل بين حياتين مختلفتين تماماً، واحدة نجلس فيها خلف نوافذنا، وأخرى يعيش أهلها تحت القصف في جوبر وعين ترما وزملكا. دفعت الطعام من أمامي يومها، كأنني أعاقب نفسي على قدرتي على الجلوس هناك، بينما آخرون لا يملكون هذا الترف، ولم أكن أعرف أن المسافة التي كنت أفكر فيها ستصبح بعد ساعات قليلة جزءاً من واحدة من أكثر ليالي الحرب السورية رعباً، وأن أسماء بلدات قريبة جداً من منزلي ستدخل بعد ذلك تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية وملفات المحاكم والتحقيقات الدولية. بعد ساعات من المعارك، تسللت إلى المنزل رائحة غريبة وواخزة، أصابنا معها سعال، فقمنا بإغلاق النوافذ بإحكام. لم نكن نعرف مصدرها، ولا أستطيع اليوم، بعد كل هذه السنوات، أن أجزم بعلاقتها بالهجوم الذي وقع في الغوطة، فالسارين الذي أثبتت التحقيقات الدولية استخدامه لا يمكن التعرف إليه بمجرد الرائحة، لكنني أتذكر تماماً إحساس الخطر الذي لم يكن له اسم بعد. ثم أتذكر فتح التلفزيون ومشاهدة الصور الأولى لأطفال ونساء ورجال ممددين على الأرض، أجساد بلا جروح واضحة، ومسعفين يحاولون إنقاذهم بالماء والأوكسجين، وخبراً يتكرر بسرعة: هجوم كيماوي واسع على الغوطة الشرقية ومعضمية الشام. كانت تلك، بالنسبة إليّ، المرة الأولى التي أدرك فيها ماذا يعني أن يُستخدم السلاح الكيماوي ضد مدينة أعرف شوارعها وأحياءها. كنت قد سمعت قذائف الهاون وشاهدت آثار القصف وسمعت عن البراميل المتفجرة التي كانت تُلقى على مناطق مدنية بدقة تكاد تكون معدومة، لكن الموت هذه المرة بدا مختلفاً، لا حفرة هائلة ولا بناية منهارة بالضرورة، بل هواء يتحول إلى قاتل. لكن هناك جانباً آخر من القصة ما زال يحتاج إلى التنقيب، يتعلق بما جرى للضحايا بعد نقلهم من مناطق القصف. طبيب شرعي سوري يروي لـِ"المدن"، الأعراض التي شاهدها لدى المصابين، من التشنجات إلى خروج الزبد من الفم واضطرابات التنفس، ما جعل الشك باستخدام مواد كيماوية حاضراً منذ اللحظات الأولى. ويروي الطبيب أيضاً وقائع أشد خطورة، بينها نقل جثث من مجازر أخرى، والتلاعب بمصادر بعض الجثامين ووضعها مكان ضحايا الغوطة، إضافة إلى حديثه عن إرسال بعض الناجين إلى قسم أُحدث داخل المستشفيات العسكرية إبان الثورة، وعُرف، وفق شهادته حينها، باسم "الإسعاف البديل"، حيث يقول إن بعضهم كان يُقتل. لا تتوفر حتى الآن، في المصادر الدولية التي اطلعت عليها، أدلة مستقلة تكفي لتحويل هاتين الروايتين تحديداً إلى حقيقة نهائية، ولذلك تبقيان شهادتين تستحقان البحث عن شهود آخرين ووثائق وسجلات طبية تؤكدهما أو تنفيهما، لكن السياق الأوسع الذي تتحدث عنه ليس غريباً عن سنوات الحرب، فقد وثقت منظمات حقوقية منذ بدايات الثورة اعتقال وتعذيب مصابين داخل مستشفيات حكومية وعسكرية، واستخدام المؤسسات الصحية جزءاً من أجهزة القمع. ويضيف الطبيب أن الطيار الذي قام برمي المواد الكيماوية على السكان أخذ ما يسمى "ترياقاً" ضد المادة الكيماوية نفسها، حسب درجتها وشدتها. بعد أسابيع، لم يعد الأمر مجرد روايات لسكان مذعورين أو صور متداولة على الإنترنت، فقد دخل محققو الأمم المتحدة المناطق المستهدفة، وجمعوا عينات طبية وبيئية، وفحصوا بقايا الصواريخ، والتقوا ناجين وأطباء ومسعفين، وانتهوا إلى وجود أدلة واضحة ومقنعة على استخدام غاز السارين بواسطة صواريخ أرض-أرض في عين ترما وزملكا ومعضمية الشام، فيما أظهرت التحاليل التي أُجريت على عينات الدم تعرض أعداد من الضحايا لعامل الأعصاب السام. لم تكن بعثة الأمم المتحدة مخولة في ذلك الوقت بتحديد الجهة التي أطلقت الصواريخ، بل بإثبات استخدام السلاح الكيماوي، وهي نقطة تستحق التوضيح لأن الجدل حولها استُخدم طويلاً لإرباك النقاش حول المسؤولية، إلا أن التحقيقات المستقلة التي درست نوع الذخائر واتجاهاتها والقدرات العسكرية المتاحة خلصت إلى نتائج أكثر وضوحاً، تشير بقوة إلى مسؤولية القوات الحكومية السورية، مستندة إلى أنظمة الصواريخ المستخدمة، ومنها صواريخ من عيار 330 و140 ميليمتراً، وإلى المواقع التي يمكن إطلاقها منها والقدرات العسكرية المتوفرة في ذلك الوقت. أما عدد الضحايا فبقي موضع اختلاف بين الجهات التي وثقت المجزرة، ولذلك يصبح أكثر دقة الحديث عن أكثر من ألف قتيل