وسط تعقيدات المشهد الميداني في الجنوب، ومحاولات الدولة اللبنانية ترقيع ما مزّقه جموح "حزب الله"، ومع إقرار توأم "الحزب" في الثنائي الإيراني، الرئيس نبيه بري بأنّ بإمكان إسرائيل أن تحتل ما تريده من الأراضي اللبنانية، واختلاط الأوراق وتطايرها في الإقليم، انتقل "الحزب" من الانتقاد اللاذع الخارج عن الأخلاق والأدب في الخطاب إلى تهديد رئيسي الجمهورية والحكومة جوزاف عون ونواف سلام بأنّه سيحاسبهما لأنّهما جزء من العدوان الإسرائيلي على لبنان، في تجاهل وقح لمسؤولية "الحزب" ومن ورائه إيران عن كلّ هذا التدمير الذي لحق بلبنان. ومع إعلان الرئيس عون تأجيل الجولة المقبلة من المفاوضات المباشرة، بدا واضحًا أنّ الدولة اللبنانية تبحث عن توازن يسمح لها باستئناف التفاوض، وليس التخلي عنه، لأنّ مغادرة ساحة المفاوضات سيعني تسعير الحروب على لبنان من جديد وبلا حدود، بينما يعكس اجتماع السفراء الصمود والالتزام بمسار الاتفاق بين الدول المنخرطة في العملية التفاوضية. واللافت للانتباه أنّ أبواق "حزب الله" ونوابه يشنون حملات عنيفة على قيام الدولة اللبنانية بالمفاوضات المباشرة لأنّه حتى الآن لم تحقّق نتائج حاسمة، وتناسى هؤلاء أنّ "الأخ الأكبر" نبيه بري فاوض (الضابط الإسرائيلي) المبعوث الأميركي آموس هوكستين لأكثر من عامين ونيف قبل التوصل إلى الاتفاق السرّي لترسيم الحدود البحرية، الذي لم يُعرض على مجلس الوزراء ولا على مجلس النواب، مع التذكير بأنّ المسار السياسي بالمثابرة والنتائج، لا بالمواعيد. لا يسعى معرقلو المفاوضات إلى حماية لبنان، بل إلى إبقائه رهينة المصالح الإيرانية، والفاضح في مقاربة "حزب الله" أنّه يحرِّم على الدولة اللبنانية التفاوض، لكنّه يتطاول عليها مطالبًا بنقل صلاحيات التفاوض عن لبنان إلى إيران، عبر ما يسمى مسار إسلام آباد. في هذا السياق يمكن طرح سؤال اعتراضي، لكنّه ضروري: لماذا اعترفت حماس بالخسارة وانخرطت في مسار سياسي يبدو أنّه سيسمح لها بإعادة ترتيب حضورها السياسي برعاية دولية وإقليمية، بعد أن تمكّنت من التخلّص من السطوة الإيرانية، خاصة بعد أن أصبح حلّ جناحها العسكري وتسليم السلاح مسألة إجرائية، وتعاونت مع تركيا وقطر، وتمكنت من فتح قناة مباشرة مع الإدارة الأميركية، في إطار مسار يهدف إلى الاندماج في الإطار الوطني الفلسطيني الجامع. لقد أيقنت "حماس" أنّ السبيل السياسي والدبلوماسي هو الأكثر جدوى، رغم أنّها في مواجهتها لجيش الاحتلال الإسرائيلي كانت أقوى وأصلب من "حزب الله". فقد قاتلت في ظروف أشدّ قسوة من "الحزب"، وأوقعت خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي أكثر بكثير من "الحزب"، وتماسكت في ملف الأسرى، وأصبحت في نظر الإيرانيين سبب خراب المحور، مع أنّ هذا نقاش واسع يحتمل الكثير من الأخذ والرّد. لكنّ الثابت أنّ دخول "حماس" في المفاوضات أسقط سردية "الحزب" في ما يخص القضية الفلسطينية وفي ما يخص التفاوض المباشر. أمّا "حزب الله" المربوط بحبل السرة الإيراني، فهو أسير قرار الحرس الثوري الذي يريد أن يقاتل بالعرب حتى آخر عنصر فيهم، ولو كانوا من شيعته ومواليه، لهذا يلجآن إلى التعطيل، فهما يحتاجان إلى حالة الجمود، إذ لا يمكنهما الحفاظ على مبرر وجود "دولة داخل الدولة" ومواصلة تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة إلا في غياب الاتفاق الذي سينتهي بوضع الخطوط النهائية للدولة وإنهاء حالة الدويلة، بينما يضرب التأخير في المسار التفاوضي فرص إعادة بناء الدولة. تعكس الوقائع حقائق لا لبس فيها، وأهمها أنّ وهم حزب إيران قد سقط فلا هو حمى ولا هو بنى، وثقة الناس به تداعت، وأنّ سلاحه كان سببًا في تخريب حياة الجنوبيين وفي تدمير الاقتصاد الوطني، وأنّ عودة السكان إلى أرضهم مرهون بسحب السلاح وضباط ومقاتلي الحرس الثوري و"الحزب" وفرض السيادة الآحادية للدولة، وبأنّه لا استثمار ولا استقرار إلّا بتحقيق سيادة الدولة، وبهذا يحصل التحرير من الاحتلالين الإسرائيلي والإيراني. مهما بلغ ضعف الدولة فإنّها تبقى أقوى بشرعيتها من جموح ميليشيات وصمها الواقع بالإجرام والإرهاب، بينما الشراكة في بناء الدولة هي المنجاة من شياطين ولاية الفقيه المنتشرين في جحور بلاد الشام والعراق والخليج.