ليست فلسطين قضية عابرة حتى يُسمح لأحد باختزالها في موقف سياسي أو مذهبي. إنّها قضية شعب اقتُلع من أرضه، وقضيّة احتلال مستمر، وقضيّة مقدّسات وحقوق إنسان وذاكرة تاريخيّة لا يمكن محوها بالشّعارات أو بالتّسويات النّاقصة؛ ومن الطبيعيّ أن تبقى فلسطين حاضرة في وجدان العرب والمسلمين، وأن تكون نصرة الفلسطيني ورفض الاحتلال موقفاً أخلاقيًّا وسياسيًّا لا يحتاج إلى تبرير.لكن عدالة القضية لا تعني بالضّرورة أنّ كلّ وسيلة تُرفع تحت عنوان نصرتها تصبح عادلة أو حكيمة أو واجبة.وهنا يبدأ السّؤال الذي طال تأجيله:هل تحوّلت فلسطين، مع مرور الزمن، من قضيّة أمّة إلى عبء عسكري تتحمّله بدرجة غير متناسبة بيئة شيعية محدّدة، تحديدًا في لبنان؟هذا السّؤال لا يطعن في فلسطين، ولا ينتقص من تضحيات المقاومين، ولا يمنح الاحتلال أيّ شرعية. بل يحاول أن يضع القضية في إطار سياسيّ أكثر واقعيّة، بعيدًا عن التّخوين والتّقديس.من قضية عربية إلى مشروع إقليميفي العقود الأولى للصّراع العربي - الإسرائيلي، كان الموقف العربي الرّسمي ـ على اختلاف درجات صدقه ـ يقوم على مواجهة المشروع الصهيوني ورفض قيام إسرائيل واحتلال الأراضي الفلسطينية.دخلت جيوش عربية حرب 1948، ثم جاءت حرب 1967، وبعدها حرب تشرين 1973. وكانت فلسطين آنذاك قضيّة عربية جامعة، وكانت مسؤوليّة المواجهة موزّعة - نظريًّا على الأقل - بين دول وشعوب وجيوش عربية. لكن هذه المعادلة تغيرت تدريجياً.جاءت كامب ديفيد، ثم معاهدة السّلام المصرية - الإسرائيلية، ثمّ مؤتمر فاس، ثم مدريد وأوسلو، ثم معاهدة السّلام الأردنية - الإسرائيلية، وصولاً إلى المبادرة العربية للسّلام عام 2002.لم تتخلّ الشعوب العربية بالضّرورة عن فلسطين، لكن الاستراتيجية الرّسمية العربية تغيّرت بوضوح من خيار التّحرير العسكري الشّامل إلى خيار التّسوية السياسية والتفاوض وإقامة الدّولة الفلسطينية ضمن حدود 1967؛ وهنا حدث التّحوّل الأكبر.بينما كانت معظم الدول العربية تنقل القضية إلى طاولة المفاوضات، كانت إيران، بعد الثورة الإسلامية، تبني رؤية مختلفة تمامًا، تجعل فلسطين والقدس جزءًا أساسيًّا من مشروعها الإقليمي، وتدعم قوى مسلّحة تضع مواجهة إسرائيل في صلب عقيدتها السياسية والعسكرية.ومن هنا نشأ ما أصبح يُعرف لاحقاً بمحور المقاومة.وكان لبنان، بحكم موقعه وحدوده وتركيبته السياسية، إحدى أهم ساحات هذا المشروع.لبنان: حين تصبح الجبهة الخارجية جزءاً من الداخللا يمكن إنكار الدور الذي لعبته المقاومة بمختلف مسمياتها، وتحديدًا المقاومة الاسلامية، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي؛ ولا يمكن تجاهل أنّ الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني عام 2000 شكّل محطّة مفصليّة في الوعي اللبناني والعربي. لكن الانتصار العسكري لا يلغي السّؤال السياسي.فلبنان ليس مجرّد ساحة مواجهة؛ لبنان دولة، وشعب، واقتصاد، ومجتمع متعدّد الطّوائف، وقرى حدودية يعيش أهلها على تماس مباشر مع الخطر؛ وحين تتحوّل المواجهة مع إسرائيل إلى مشروع مفتوح لا يرتبط فقط بتحرير الأراضي اللبنانية، بل بمشروع إقليمي أوسع عنوانه فلسطين والقدس، يصبح من حقّ اللبناني أن يسأل:ما حدود المسؤوليّة اللبنانيّة في صراع يتجاوز الحدود؟ ومن يقرّر فتح الجبهة؟ ومن يقرّر إغلاقها؟ ومن يتحمّل كلفة القرار؟هذه ليست أسئلة ضد المقاومة، هذه أسئلة حول الدولة، وقد كشفت حرب غزة السّؤال المؤجل.بعد السابع من تشرين الأول 2023، دخل الجنوب اللبناني في مواجهة طويلة مع إسرائيل. وُضعت الجبهة اللبنانية في إطار دعم غزة، وتحوّل الجنوب مرة أخرى إلى ساحة اشتباك مفتوحة.ثم جاءت الحرب الواسعة في عام 2024، والتي أصابت حزب الله وبيئته ولبنان بأكمله بخسائر بشرية ومادّية ونزوح واسع ودمار كبير؛ وهنا ينبغي أن نكون صريحين: إذا كان شعار وحدة السّاحات يعني أنّ ساحات المنطقة مترابطة في الحرب، فمن الطّبيعي أن يسأل اللبناني: أين تقف هذه الوحدة عندما تصبح إحدى السّاحات مهدّدة بالسّحق؟وإذا كانت المقاومة الاسلامية جزءاً من منظومة إقليميّة كبرى، فمن حقّ بيئتها أن تعرف أيضًا: ما حدود هذا التّحالف؟ وما مستوى الالتزام المتبادل بين أطرافه؟ ليس المقصود التّشكيك في الدّعم الإيراني لحزب الله، ولا إنكار ما قدمته إيران له على مدى عقود، بل المقصود هو طرح السّؤال السياسي الذي يفرض نفسه بعد كل حرب:هل كان حجم الكلفة اللبنانية متناسباً مع حجم المكاسب التي تحقّقت؟إذا كانت النتيجة لا تزال بعيدة عن تحرير فلسطين، فهل يجوز الاستمرار في إدارة الصراع بالطّريقة نفسها، ودفع الثّمن نفسه، من دون مراجعة؟ المقاومة لا تعني تعطيل السّؤال. هناك خطأ خطير في الحياة السياسية اللبنانية: تحويل كلّ نقد للمقاومة إلى موقف من المقاومة، وكلّ سؤال عن أدائها إلى عداء لها.هذا المنطق يضرّ بالمقاومة أكثر مما يحميها.المقاومة التي لا تحتمل النّ