قبل نحو ستة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، تبدو معركة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أكثر تعقيداً من سباق الليكود على صدارة الأحزاب. فمصيره قد يتقرر عند عتبة انتخابية لا تتجاوز 3.25%، إذا سقط أحد حلفائه الصغار تحتها وضاعت أصوات كان يحتاج إليها للوصول إلى غالبية الـ61 مقعداً. وتظهر استطلاعات الرأي أن معسكر نتنياهو لا يزال بعيداً من الغالبية، فيما تتحرك بعض الأحزاب المحسوبة على اليمين قرب عتبة الحسم. لذلك قد يتصدر حزب كبير السباق في إسرائيل، فيما تتوقف قدرته على تشكيل الحكومة على أحزاب لا يتجاوز تمثيل بعضها أربعة أو خمسة مقاعد. وتتركز معضلة نتنياهو في ضمان عبور الأحزاب اليمينية الصغيرة عتبة الحسم، وتأمين دعم الأحزاب الحريدية التي تبدو أكثر استقراراً انتخابياً لكنها تملك القدرة على رفع ثمن مشاركتها في أي ائتلاف مقبل. ترى الخبيرة في الشؤون الإسرائيلية رانيا فوزي، في حديث لـ"النهار"، أن الأحزاب الصغيرة قد تشكل طوق نجاة لمعسكر نتنياهو إذا عبرت عتبة الحسم، أو تسهم في إقصائه إذا سقط بعضها تحتها وحُرم اليمين الغالبية اللازمة لتشكيل الحكومة. وتلفت فوزي إلى أن استطلاعات الرأي تعكس تراجعاً نسبياً في قوة معسكر اليمين وتشظياً في أصواته، مع انتقال بعض القيادات والكوادر السياسية من حزب الليكود إلى تيارات أخرى سعياً إلى مواقع أكثر تقدماً وفرص أفضل في الوصول إلى الكنيست. ويزيد وجود قوى يمينية صغيرة قرب عتبة 3.25% خطر تبديد أصوات قد تكون حاسمة في حسابات الغالبية. وتقول فوزي إن الأحزاب الحريدية التقليدية، وفي مقدمها "شاس" و"يهدوت هتوراة"، تبدو أكثر قدرة على اجتياز عتبة الحسم. وفي المقابل، يرتبط جزء من التعبئة داخل اليمين الديني والقومي بملفات الاستيطان في الضفة الغربية وهدم المنازل وحماية المستوطنين، وهي ملفات تستقطب شريحة من الناخبين ذوي التوجهات الأيديولوجية اليمينية. أما التحدي الأبرز الذي تطرحه الأحزاب الحريدية أمام نتنياهو فيتصل بشروط مشاركتها في أي ائتلاف مقبل. فقد أدت الخلافات على قانون التجنيد إلى توترات متكررة داخل الائتلاف، مع تمسك هذه الأحزاب بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية والحفاظ على مخصصات "اليشيفوت". وترى فوزي أن استمرار الخلاف يمكن أن يدفع أوساطاً حريدية إلى البحث عن ترتيبات ائتلافية بديلة بعيداً من الليكود، خصوصاً إذا ارتبطت الخدمة العسكرية بعقوبات على المتخلفين عن التجنيد أو بتقليص تمويل المؤسسات الدينية. وفي حال احتفاظ الأحزاب الحريدية بكتلة وازنة، سيمنحها اقتراب نتنياهو من خط الـ61 مقعداً قدرة أكبر على فرض شروطها. وتمتد معضلته من ضمان عبور حلفائه عتبة الحسم إلى الثمن السياسي الذي سيطلبه كل منهم مقابل تأمين الغالبية. أعضاء في حزب الليكود يتجمعون في أحد مراكز الاقتراع خلال الانتخابات التمهيدية للحزب في القدس، 17 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب) يرى المختص في الشأن الإسرائيلي إيهاب جبارين أن سقوط أي حزب يميني صغير تحت عتبة الحسم يتجاوز خسارة المقاعد التي كان يمكن أن يحصل عليها. فالأصوات التي تذهب إلى قائمة لا تتجاوز 3.25% تخرج عملياً من عملية توزيع مقاعد الكنيست، ما قد يغير التوازن بين المعسكرات. ويوضح جبارين لـ"النهار" أن إحدى المعارك الأساسية لنتنياهو تكمن في "هندسة توزيع الأصوات" ومنع ضياعها بين أطراف معسكره، إذ يمكن أن ينتهي السباق بتقدم الليكود على منافسيه، فيما يخسر نتنياهو فرصة تشكيل الحكومة بسبب بضعة أعشار من النقطة تفصل أحد حلفائه عن عتبة الحسم. وتزداد قوة الأحزاب الصغيرة كلما اقترب أي معسكر من خط الـ61 مقعداً. فالحزب الذي يملك أربعة أو خمسة مقاعد يستطيع رفع سقف مطالبه مقابل الانضمام إلى الحكومة. وبحسب جبارين، تتركز مطالب الأحزاب الحريدية على التجنيد والميزانيات والمؤسسات الدينية، فيما تضغط قوى اليمين القومي والديني لتوسيع أجندة الاستيطان وتشديد السياسات الأمنية. وكلما تقلص هامش نتنياهو في تشكيل الغالبية، ازدادت حاجته إلى الاستجابة لمطالب شركائه، ما قد يدفع أي حكومة جديدة يقودها نحو سياسات أكثر تشدداً ويضيق احتمالات تشكيل ائتلاف أوسع مع قوى من الوسط. ويخوض نتنياهو بذلك سباقاً على مستويين في 27 تشرين الأول/أكتوبر، حجم حزب الليكود وعدد حلفائه الذين سيبقون فوق عتبة 3.25%. فقد يخرج بالحزب الأكبر، فيما تكون بضعة آلاف من الأصوات المهدورة كافية لإبعاده عن رئاسة الحكومة.