كتب عباس صباغ في" النهار": منذ تأليف حكومة الرئيس نواف سلام في شباط 2025 عقدت جلسة مناقشة عامة منتصف تموز من ذلك العام وأفضت إلى إعادة تجديد الثقة بالحكومة، مع تسجيل تراجع لافت في عدد الأصوات. لم يسبق أن حجب مجلس النواب الثقة عن أيّ حكومة، سواء خلال مناقشة بيانها الوزاري أو في جلسة مناقشة عامة. والواقع أن تخلّي البرلمان عن أبرز دعامات النظام البرلماني الديموقراطي، يعود إلى طبيعة النظام السياسي الذي كرسته الممارسة العملية منذ توقيع اتفاق الطائف وإقراره في مجلس النواب عام 1989. فالنظام البرلماني يقوم على مبدأين: الأول صلاحية البرلمان لحجب الثقة عن الحكومة، وهو أعلى مراتب مبدأ الرقابة البرلمانة على عملها، والثاني يعطي الحكومة حق حل البرلمان. لكن الممارسة السياسية في لبنان أظهرت عدم استخدام أيّ من دعامتي ذلك النظام، فلا مجلس النواب ينزع الثقة ولا الحكومة قادرة على حله. ويبرر ذلك بأن الكتل النيابية ممثلة في الحكومة، بما يحوّل الأخيرة إلى ما يشبه مجلسا نيابيا مصغرا. ووفق تلك المعادلة، لم يسبق أن عقدت جلسات مساءلة للحكومات بمعدل جلستين خلال عام، على خلاف ما يحصل راهناً مع حكومة سلام. وكتب زياد سامي عيتاني في" اللواء": من العناصر التي تضاعف الحساسية السياسية لهذه الجلسة أن موعدها يتقاطع مباشرة مع ترتيبات سفر رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك لتمثيل لبنان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا التوقيت يفرض على سلام الاستعداد لمعادلة مزدوجة شديدة التعقيد: - على الصعيد الداخلي: الوقوف على منصة البرلمان للدفاع عن سجل حكومته، وتبرير خياراتها السياسية والاقتصادية أمام كتل نيابية يملك بعضها أجندات إسقاط مبيتة. - على الصعيد الخارجي: حمل الموقف الرسمي اللبناني إلى المحفل الدولي، والتفاوض باسم دولة تشهد مؤسساتها تجاذباً حادّاً حول قرارها السيادي. إن وضع الحكومة أمام جلسة استجواب علنية في هذه اللحظة بالذات يرفع منسوب الإرباك، ويجبر رئيسها على خوض معركة تثبيت الشرعية في الداخل قبل الصعود إلى المنبر الدولي. وتدرك الأطراف المناوئة للحكومة أن إضعاف موقف سلام تحت قبة البرلمان سينعكس حكماً على قوة موقفه التفاوضي في واشنطن ونيويورك، ما يفسر الإصرار على حشر الحكومة في مهلة زمنية ضيقة للغاية. في مركز هذه الدائرة المعقّدة، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في موقع يُعدّ الأكثر حساسية وتأثيراً. فحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات قطعية تؤكد أن عين التينة اتخذت قراراً نهائياً بإسقاط الحكومة أو رفع غطائها السياسي. تكمن الخصوصية في موقع رئيس المجلس في قدرته الاستثنائية على ممارسة الدورين المزدوجين في آن واحد: - دور «المُصعِّد»: عبر فتح باب المساءلة النيابية على مصراعيه، وترك منصة البرلمان مادة دسمة للإعلام والرأي العام لزيادة الضغط على سلام وتدفيع حكومته أثماً سياسياً. - دور «المطفئ»: عبر استخدام مطرقته لرسم سقف لا يُسمح بتجاوزه، ومنع انزلاق النقاشات إلى مواجهة طائفية أو دستورية لا تُحمد عقباها، وإدارة الجلسة بحيث تنتهي إلى مجرد «تنفيس احتقان» دون الوصول إلى طرح الثقة. هذا التناقض الظاهري ينسجم كلياً مع المدرسة السياسية لبري، والتي تعتمد على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة وحفظ دور «ضابط الإيقاع» والتوازنات بين مختلف المكونات اللبنانية. الخيار الأكثر ترجيحاً في كواليس المناورات اللبنانية، فيتمثل في استراتيجية الإنهاك الممتد؛ حيث تُبقى السلطة التنفيذية تحت تهديد الاستجوابات وتعطيل مشاريع القوانين في اللجان النيابية دون إسقاطها كلياً. ويهدف هذا المسار إلى الالتفاف على الضمانات الدولية عبر مقايضة استمرار الحكومة بتقديم تنازلات سياسية وأمنية في ملفات التعيينات الحسّاسة والترتيبات الحدودية في الجنوب.