وضعت الاحتجاجات الرافضة لرفع أسعار البنزين والمشتقات النفطية الحكومة السورية أمام أول اختبار اقتصادي منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وسط تصاعد الغضب الشعبي بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع القدرة الشرائية. وامتدت الاحتجاجات خلال اليومين الماضيين إلى مناطق سورية عدة، عقب قرار رفع أسعار عدد من مواد الطاقة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا اقتصادية ومعيشية متزايدة وارتفاعًا في تكاليف الحياة. وقال المحلل السياسي عبد الحميد توفيق، من دمشق، لـ«العربية»، إن «هذه الاحتجاجات ليست وليدة ساعتها، وعلى رغم أن فتيل اندلاعها أخيرًا تمثّل في رفع أسعار مواد الطاقة، فإنها جاءت، باعتقادي، نتيجة احتقانات متراكمة». وأشار توفيق إلى وجود «حالة من التذمر في الشارع السوري»، لافتًا إلى أن الغالبية العظمى من الاحتجاجات شهدتها مناطق توصف بأنها حاضنة للحكومة. وشدّد على أن «واقع الحال صعب، والمستوى المعيشي لدى كثير من الناس بات تحت خط الفقر، فيما تزامنت الزيادات على الرواتب مع ارتفاع الأسعار، ولم يستفد منها أحد، في ظل غياب دخل يؤمّن، في حدّه الأدنى، معيشة مقبولة لشرائح واسعة من الشعب». وأضاف أنه «بعد إلغاء العقوبات الدولية على سوريا، وتوقيع دمشق اتفاقيات ومذكرات تفاهم تجاوزت قيمتها 40 مليار دولار، لم يتغير الواقع الاقتصادي حتى الآن». واعتبر توفيق أن على الحكومة العمل على إيجاد بيئة اقتصادية توفر فرص عمل للناس وتسهم في تحريك العجلة الاقتصادية، مؤكدًا أن «الاحتجاجات ليست للتخريب، وأن مطالب المشاركين فيها محقة وتهدف إلى تحسين مستوى معيشتهم». ورأى أن مسؤولية القرار الأخير الصادر عن وزارة الطاقة «لا يتحملها الوزير وحده، بل الحكومة بأكملها». من جهته، قال الأكاديمي والخبير الاقتصادي عمار يوسف إن رفع أسعار المشتقات النفطية يمثل بالنسبة إلى الحكومة «شرًا لا بد منه»، في ظل قلة الواردات والضغوط الاقتصادية التي تواجهها. وأوضح يوسف، وهو أستاذ جامعي مقيم في دمشق، أن تداعيات القرار ستطاول مختلف القطاعات، ولا سيما النقل والمواد الغذائية، معتبرًا أنه شكّل صدمة جديدة للمواطن السوري بعد رفع أسعار الكهرباء سابقًا، وأدى إلى مزيد من التدهور في مستوى معيشته. وكانت الاحتجاجات قد انطلقت من بلدة معرة النعمان في محافظة إدلب شمال غربي البلاد، وامتدت إلى بلدات في الحسكة شمال شرقي سوريا، والأتارب وأعزاز في الشمال، وخان شيخون وباب السلامة في الغرب، إضافة إلى مناطق أخرى، عقب قرار رفع أسعار المشتقات النفطية الأحد الماضي. وفي المقابل، أوضح مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة السورية عبد الحميد سلات، في تصريحات للتلفزيون الرسمي الأحد، أن تعديل أسعار المشتقات النفطية جاء نتيجة «ظروف استثنائية ومتغيرات مؤقتة في أسواق الطاقة العالمية، فرضت ارتفاعًا كبيرًا في تكلفة تأمين المشتقات». وأشار سلات إلى أن سوريا تعتمد حاليًا «بصورة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من المشتقات النفطية»، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة هذه المواد بالتزامن مع ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية. وتسعى السلطات السورية إلى إنعاش الاقتصاد وإعادة تأهيل البنية التحتية ومؤسسات الدولة بعد أكثر من عقد من الحرب. وتسيطر دمشق حاليًا على جميع حقول النفط والغاز في البلاد، بعدما بسطت سيطرتها في وقت سابق من العام الحالي على مناطق في شمال سوريا وشمالها الشرقي كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية.