بدأ مجلس النوّاب جلسة مساءلة الحكومة، في محطّة تتقدّم على غيرها من الاستحقاقات الداخليّة، بعدما تجاوزت منذ انطلاقتها حدود الرقابة التقليديّة على أداء حكومة نواف سلام، لتتحوّل إلى مساحة لاختبار التوازنات السياسيّة التي تحكم المرحلة المقبلة. وافتُتحت الجلسة، بعد اكتمال نصابها، بكلمة لرئيس الحكومة نواف سلام، اختار منذ بدايتها نقل النقاش من موقع الدفاع التقني عن أداء حكومته إلى الإطار السياسيّ والاقتصاديّ الأوسع الذي تعمل فيه، وفي مقدّمته تداعيات الحربين الأخيرتين، والنزوح، وإعادة الإعمار، والإصلاحات الماليّة التي ترى الحكومة أنّها تشكّل مدخلًا إلزاميًّا لاستعادة الثقة. وقال سلام: "أريد من هنا أن أصارح جميع اللبنانيّين، موقفنا صعب، وصعب جدًّا، لكنّ الخروج منه ليس مستحيلًا"، قبل أن يشدّد على أنّ "حرب آذار فُرضت علينا ولم نُسأل عنها، وقد حذّرنا منها، لكنّكم تعرفون ما حصل". وبهذا المدخل، وضع سلام قرار الحرب نفسه في صلب مداخلته النيابيّة، متجاوزًا الدفاع عن الأداء الحكومي إلى طرح سؤال سياسيّ أوسع يتعلّق بالجهة التي اتّخذت القرارات التي رتّبت على الدولة والمجتمع كلّ هذه الأثمان، ومَن يتحمّل مسؤوليّة التعامل مع نتائجها اليوم. وقال رئيس الحكومة إنّ "كلفة الحروب الأخيرة التي جُرّ إليها لبنان باهظة جدًّا"، مشيرًا إلى أنّ تقديرات البنك الدولي تضع الكلفة الإجماليّة للحرب الأولى عند نحو 14 مليار دولار. أما الحرب الأخيرة، فأوضح أنّ كلفتها المباشرة تتراوح حتى الآن بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، من دون احتساب الكلفة الاقتصاديّة الأوسع التي تُقدّر بما بين أربعة وخمسة مليارات دولار. لكنّ سلام شدّد على أنّ العبء الأكبر لا يُقاس بالمال وحده، متوقّفًا عند سقوط أكثر من أربعة آلاف قتيل و12 ألف جريح في الحرب الأخيرة. كما أشار إلى أنّ حصيلة الحربين مجتمعتين بلغت نحو تسعة آلاف قتيل وأكثر من 30 ألف جريح، إلى جانب أكثر من مليون نازح وعشرات آلاف المنازل المدمّرة، فيما قد تتجاوز الكلفة الاقتصاديّة الإجماليّة 27 مليار دولار عند استكمال احتساب تداعيات الحرب الأخيرة. ولم يحصر رئيس الحكومة الأثمان بالأرقام الكليّة، بل نقلها إلى الحياة اليوميّة للبنانيّين، قائلًا: "أعرف وجع العائلات اللبنانيّة، وكم ارتفعت أسعار الحاجات والسلع الأساسيّة، وكم ارتفع التضخّم". وهنا بدا واضحًا أنّ استحضار الأرقام ليس منفصلًا عن خطّ دفاع سياسيّ تريد الحكومة تثبيته أمام النوّاب. فسلام يحاول القول إنّ تقييم حكومته لا يمكن عزله عن حجم الأعباء التي ورثتها، ولا عن نتائج حروب لم تكن حكومته، وفق روايته، صاحبة القرار في خوضها. ربع مليون نازح... ودولة بإمكانات محدودة ومن كلفة الحرب انتقل سلام إلى نتائجها المباشرة على الأرض، معلنًا أنّ أكثر من 250 ألف لبناني لا يزالون في عداد النازحين. وقال: "لم ولن نستسلم لهذا الواقع، بل إنّنا عازمون على مواجهته"، مؤكّدًا أنّ الدولة كانت حاضرة خلال الأزمة وقامت بواجباتها ضمن الإمكانات المحدودة المتوافرة لها، في واحدة من أصعب الأزمات التي مرّ بها لبنان. غير أنّ سلام أقرّ في الوقت نفسه بوجود "نقص كبير في التمويل والدعم الدوليَّين مقارنةً بعام 2024"، بما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة، إذ تتّسع حاجات المناطق المنكوبة والنازحين فيما تتراجع الموارد المتاحة لمعالجتها. وأوضح أنّ جهود الحكومة تتركّز حاليًّا على تأمين العودة الآمنة للنازحين إلى مناطقهم، مشيرًا إلى أنّه أعطى توجيهات إلى جميع الوزارات المعنيّة للعمل بأقصى طاقاتها وبالسرعة المطلوبة. وحدّد رئيس الحكومة سلّم الأولويّات بفتح الطرقات، واستحداث المعابر، وإعادة ربط القرى بعضها ببعض، وتأهيل شبكات الاتصالات في المناطق المتضرّرة، وإعادة خدمات المياه، وترميم المدارس والمنازل المتضرّرة جزئيًّا. وبذلك، حاول سلام تقديم نموذج عمليّ لما تعتبره حكومته مرحلة "التعافي المبكر"، أي إعادة الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة قبل الوصول إلى إعادة الإعمار الشاملة، وهي عمليّة تتطلّب تمويلًا أكبر والتزامات دوليّة لا تزال دون المستوى المطلوب. وربط سلام ملفّ إعادة الإعمار مباشرةً بملف الإصلاح، قائلًا: "لا إعادة إعمار مستدامة من دون تمويل، ولا تمويل من دون ثقة، ولا ثقة من دون دولة قادرة، والوصول إلى الدولة القادرة يتطلّب طبعًا الإصلاح". وهذه المعادلة تختصر جانبًا كبيرًا من الرؤية التي تحاول الحكومة تسويقها داخليًّا وخارجيًّا، ومفادها أنّ استعادة التمويل الدولي ليست عمليّة منفصلة عن الإصلاح المؤسّسي والماليّ، وأنّ إعادة بناء المناطق المتضرّرة لا يمكن أن تقوم فقط على مؤتمرات المانحين، بل تحتاج إلى دولة قادرة على استقطاب الأموال وإدارتها ضمن آليّات تحظى بالثقة. وبهذا المعنى، يربط سلام بين ثلاثة مسارات كانت تُناقش طويلًا كأنّها