في الدول التي تعاني أزمات مالية واقتصادية، لا يكون السؤال دائماً: من أين نأتي بالمال؟ بل الأهم: كيف نستثمر ما نملك؟ وهذه المعادلة تبدو شديدة الأهمية في الحالة اللبنانية، حيث تمتلك الدولة أصولاً ومرافق ومواقع استراتيجية ذات قيمة اقتصادية كبيرة، فيما تعاني في الوقت نفسه من ضعف الاستثمار، وتراجع الخدمات، وتآكل القدرة على الجباية، وتضخم الإهدار في المؤسسات العامة. من هنا، تبدو إعادة النظر في طريقة إدارة المشاريع الاستراتيجية اللبنانية ضرورة اقتصادية، لا ترفاً سياسياً. ومن أبرز النماذج التي يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً لذلك، نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT، من ضمن إطار أوسع هو الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP.وفق تعريف البنك الدولي، تقوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص على عقد طويل الأمد يقدم من خلاله القطاع الخاص أصلاً أو خدمة عامة، ويتحمل جزءاً مهماً من المخاطر والمسؤولية الإدارية، بينما ترتبط عوائده بمستوى الأداء. وتختلف الصيغ بحسب طبيعة المشروع، لكن جوهرها هو الجمع بين قدرة الدولة على التنظيم والرقابة، وقدرة القطاع الخاص على التمويل والإدارة والخبرة والاستثمار.وفي نموذجBOT تحديداً، يتولى المستثمر تصميم المشروع وتمويله وبناءه وتشغيله لمدة زمنية محددة، على أن تنتقل الملكية أو الحقوق المتفق عليها إلى الدولة عند انتهاء مدة العقد. ويمكن تطبيق هذا النموذج على مشاريع جديدة أو على مشاريع قائمة تحتاج إلى إعادة تأهيل وتوسعة وتحديث.وهنا تكمن إحدى أهم الفرص اللبنانية: الدولة لا تحتاج إلى بيع أصولها كي تستفيد منها.فالمرفأ، والمطار، وشبكات النقل، والطرق، ومرافق المياه والطاقة، والأراضي العامة، والمناطق السياحية، وبعض المشاريع العقارية الكبرى، يمكن أن تتحول من أعباء تحتاج إلى تمويل مستمر إلى أصولٍ منتجة للإيرادات، إذا جرى طرحها وفق دراسات جدوى علمية وعقود شفافة وتنافسية.فالاستثمار الخاص لا يعني بالضرورة خصخصة الأصل العام. بل يمكن الدولة أن تبقى مالكة للأصل، فيما تمنح شركة أو ائتلافاً استثمارياً حق تطويره وتشغيله لمدة محددة، في مقابل التزام واضح بمستوى الخدمة والاستثمار والجباية ودفع بدل الامتياز أو تقاسم الإيرادات.وتكمن أهمية هذا النموذج بالنسبة إلى لبنان في أنه يخفف الحاجة إلى تمويل المشاريع الكبرى من الخزينة، ويستقطب رؤوس أموال وخبرات عالمية، ويضع التشغيل والصيانة تحت مؤشرات أداء قابلة للقياس، ويخلق حوافز حقيقية لرفع الإنتاجية وتقليل الإهدار.لكن النجاح لا يتحقق بمجرد توقيع عقدBOT. فالمعايير الدولية تؤكد أن جوهر الشراكة الناجحة هو التوزيع السليم للمخاطر. فمخاطر البناء والتأخير وتجاوز الكلفة يمكن، مثلاً، يتحملها الطرف الأكثر قدرة على إدارتها، بينما يبقى بعض المخاطر السيادية أو التنظيمية من ضمن مسؤولية الدولة. ويؤكد البنك الدولي أن توزيع المخاطر يجب أن يتم وفق مبدأ أساسي: أن يتحمل كل خطر الطرف الأكثر قدرة على السيطرة عليه أو إدارته بأقل كلفة.وتقدم التجارب الدولية أمثلة مهمة. فقد استخدمت دول عديدة نماذج الشراكة في تطوير المطارات والطرق والطاقة والمياه والمرافئ وغيرها من مشاريع البنية التحتية. وفي مشاريع المطارات تحديداً، تسمح الشراكة باستثمار ليس في حركة الطيران فحسب، بل أيضاً في المساحات التجارية والمطاعم ومواقف السيارات والخدمات اللوجستية والعقارات المحيطة، بما يحول المطار من مرفق خدمي إلى منظومة اقتصادية متكاملة.وفي لبنان، يمكن التفكير في المطار والمرفأ كنقطتين مركزيتين في استراتيجية اقتصادية جديدة. فمرفأ حديث وفعال يمكن أن يعزز موقع لبنان التجاري واللوجستي، فيما يمكن لمطار مطور وفق المعايير الدولية أن يكون بوابة للسياحة والخدمات والاستثمار، لا مجرد مرفق لاستقبال المسافرين.أما القطاعين العقاري والسياحي، فيمكن أن يشكلا مجالاً إضافياً للشراكات، خصوصاً في الأراضي والمواقع التي تملكها الدولة أو المؤسسات العامة ويمكن تطويرها من ضمن مشاريع مدروسة، شرط الحفاظ على الملكية العامة وضمان العائد للدولة.والأهم أن الـBOT يمكن أن يساهم في تعزيز الجباية. فالدولة لا تحتاج دائماً إلى فرض ضرائب جديدة كي تزيد إيراداتها؛ يمكنها أيضاً أن تحصل على إيرادات من استثمار أصولها. رسوم الامتياز، والضرائب على الأرباح، والرسوم التشغيلية، وحصص الدولة من الإيرادات، والزيادة في النشاط الاقتصادي، كلها يمكن أن توسع القاعدة المالية للدولة.لكن ذلك يتطلب إنشاء منظومة مؤسساتية مستقلة وشفافة: دراسات جدوى قبل الطرح، مناقصات دولية، معايير واضحة لاختيار المستثمر، نشر العقود الأساسية، رقابة مالية وفنية، مؤشرات أداء، تدقيق مستقل، وآليات تمنع تضارب المصالح والاحتكار السياسي أو الاقتصادي.فالهدف ليس استبدال احتكار الدولة باحتكار خاص، ولا تحويل الأصول العامة إلى صفقات، بل تحويل