إِنها قصةُ حب فريدة، ما زالت متوهجة منذ 66 سنة. يوم تبادلا كلمة "أُحبُّك" في ذاك اليوم الأَول، لم يحدُسا أَن سيظلَّان يتبادلانها حتى اليوم. جورج ونانسي سْتراوسْمان (Strausman) عاشقان مثالان. هو (100 وسنتان)، وهي (89 سنة)! لا يزالان في ربيع العمر وزهو العشق الأَول. عوض أَن يتبادلا الرسائل الإِلكترونية أَو الورَقية، كانا يتكاتبان مباشرةً بـ"القصائد" في مناسبات عدة: ذكرى الولادة، ذكرى الزواج، احتفاءات أُخرى طوال حياتهما السعيدة معاً. في الحلقة الأُولى من هذه الثلاثية، سردتُ قصة المصادفة التي جمعَت جورج ونانسي في ملعب التِنِس. وذكرتُ أَنهما كانا يتبادلان كتابة "القصائد" بخطِّهما. ووعدتُ أَن أَنشُر في هذه الحلقة نصَّ القصيدة الأُولى من نانسي إِلى جورج. هذه أَول "قصيدة" كَتَبَتْها نانسي إِلى جورج بعد لقائهما الأَول: التقيتُهُ في ملعب التنِسبعد ظُهرِ يوم مشمسمن صيف 1959...لم يخطر ببالي يومهاأَنَّ كلاماً تبادلْناهسيكون أَبجدية حبتجمَع بيننا طوال العمروأَنه سيكون رفيقَ عمري! يومها كان ينتظر أَخاهليشاركَه لعبة التنِس.قال لي: "فلنقارع الطابات"وقارعناها بضع قذفاتلكنَّ القدر قارَعَنابضعة أَشهر بعدهاحتى بلغْنا الزواج... التقيتُهُ في ملعب التنِسبعد ظُهرِ يوم مشمسذاك النهار بعد الظهرنقَلَنا من ملعب التنِسإِلى ملعب الحياة...افترقْنا من الملعبكي لا نفترق بعدها أَبداً... ومع أَنني اعتدتُ كلماتهما زلتُ أَسمعها حتى اليومكما من أَول يوم..."حبيبتي"، يقولفأَذوبُ حبّاً إِليهلأَنه رفيقي وصديقيلأَنه حبيب العمر والحياةلأَنه قدري الجميل"نانسي. قصيدة من جورج إلى نانسي (صفحة فرنشسسكا الإِلكترونية) طبعاً لا نقيسَنَّ كلمات نانسي على أَنها من الشعر بمفهوم الشعر قواعدَ وأُصولًا. فلا هي تدَّعي أَنها "شاعرة"، ولا هي كتبَت هذه "القصيدة" (وكلَّ ما تلاها) كي تنشرها في صحيفة أَو مجلة أَو كتاب، أَو كي تضعَها على منصَّات التواصل الإِلكتروني. هذه "القصيدة" كتَبَتْها نانسي بخطِّها لرجُلٍ واحدٍ كي يقرأَها بعينيه وقلبه قارئٌ واحد. ربما لذلك، حين نَشَرَتْها حفيدتُها فرنشيسكا على منصاتها الإِلكترونية، تلقَّت مئات الردود عليها والاستحسانات. فهي - في بساطتها ومباشريَّتها وصدقِها وعفويَّتها - تدلُّ على أَنَّ الحب الذي يعيش طويلًا لا يتخطّى حتماً حالاتٍ صعبةً أَو شائكة، بل يكتفي بمصادفات قصيرة تتشكَّل منها حياة طويلة وسعيدة. غالبًا ما يتبادل العشاق هدايا وبطاقات معايدة في مناسباتهما الخاصة. جورج ونانسي كانا يتبادلان "القصائد" يكتبانها بخطِّيهما في تلك المناسبات، أَو في سويعات صفاء مُوحِيَة. وعوض أَن تقتصر تلك "القصائد" على مناسبات كبرى، كانت كلماتهما تنقل تفاصيلَ بسيطةً عاديةً من حياتهما اليومية العادية. منها (كما في "القصيدة" المذكورة) مصادفةُ لقائهما الأَول في ملعب التنِس، أَو نكاتٌ طريفة تبادلاها خلال السنوات، أَو تَقَدُّمها في العمر معاً جنباً إِلى جنب، أَو هناءَتهما في الحياة معاً... بين أَكثر ما تحبُّ حفيدتهما فرنشيسكا، "قصيدة" نانسي إِلى جورج عند بلوغه السبعين، وفيها تبثُّ الحالة العاطفية العاشقة التي تجمع بينهما يوميّاً. الرجل الذي أُحبُّهُبلغَ اليوم السبعين...قد يتوقَّع مني احترامَ سنِّهبكل وقار السنّلكنه حتماً سيعجبُهأَن أُبادره بالهزل والمزاحفالسنُّ بادية عليهبشعره الأَبيضونظرته أَنني صبيَّة تعشقُهربما لضعفٍ في بصرهوطنينٍ في سمعه قويّوبعض هذيان في وعيه! الرجل الذي أُحبُّهبلغَ اليوم السبعين...كان يَشْدُق شفتيه إِعجاباًأَمام امرأَةٍ جميلةٍواليوم لا يشدُقُهُماإِلَّا عند طبيب الأَسنان.مع ذلك أُردِّد له دائماًجورج أَنا أُحبُّك"... صحيح أَنّ في طرافة "القصيدة" إِيماءاتٍ إِلى الشيخوخة، والشَيب في شَعره، وقصَر البصر، وضعف السمْع، لكنها جميعها إِيماءاتٌ بغُنج وحنان. والسخرية فيها ليست لإِغاظته سلبيّاً، إِنما للتنبيه الى أَن العمر يتقدَّم بهما معاً، بكلِّ ما ثنايا السنوات من ذكريات وأَحداث طريفة ومازحة. وعوض أَن يُواجِهَا التقدُّم في السن بلهجةٍ دراماتيكيةٍ عابسة، تشير "القصائد" بينهما إِلى أَنَّ كلَّ تفصيلٍ عاديٍّ في حياتهما اليومية معاً، يمكن أَن يحصلَ بينهما من دون إِثارةِ سوءِ تفاهم، لأَن الأَصل بينهما متينٌ وعميق. وهذا ما يجعل علاقتهما اليومية جديرةً بأَن تدخل تفاصيلُها في "قصائد" يتبادلانها باستمرار. لذا يتذكَّران نكاتٍ (بعضُها سخيف) كانا يتبادلانها أَو يسمعانها. لكنهما يواجهان الشَيب وضعْف السمْع والبصر بضحكاتٍ مرحة تُبعد بينهما الخوف من تقدُّم العمر. وعلى رغم ستةِ عقودِ من حياتهما اليومية معاً، ما زالا يجدان جديداً مبتكَراً لطيفاً يكتبانه في "قصيدة" منه إِليها أَو منها إِليه. إِلى أَيٍّ عمل ما زال جورج يقود سيارته ويذهب كلَّ يوم؟ الجواب في الحلقة الثال