بعد كل ما حدث، وكل ما سيحدث، يقف الإنسان على عتبة منزل بابه مقفل، ولا يملك المفتاح ليدخل.أنعم الله على البشر بمفتاح هو المحبة، ليدخلوا به إلى سر محبته. فمنهم من أضاع المفتاح، ثم أمضى حياته يبحث عنه. ومنهم من احتفظ به لبعض الوقت، لكن مصاعب الحياة سرقته منه. ومنهم من تباهى بامتلاكه، ثم تخلى عنه أمام من زرع في قلبه الأوهام. ومنهم، وهم قلة، من عرف كيف يحتفظ بمفتاحه، فلم يأبه بالمصاعب ولا بالإغراءات ولا بالأوهام. سلك بالصبر، ومضى بالرجاء نحو الموعد، حتى بلغ الباب، وأدخل المفتاح، ودخل.وحين دخلوا، سألهم مالك القصر:"أين الجميع؟لماذا تخلفوا عن الدخول إلى العرس؟".لم يفهم الداخلون السؤال في البداية. فقد ظنوا أن وصولهم هو نهاية الرحلة، وأن العرس قد بدأ.لكن الأب كان يرى ما لا يرونه.فرح بالداخلين، لكن فرحته لم تكتمل. كان قلقه على الباقين يتعاظم.فقال:"لا تكتمل فرحتي باجتماع بعض أبنائي، ما دام بعضهم ما زال خارج المنزل".فبقي الباب مفتوحاً، وبقي العرس، في قلب الأب، مؤجلاً.ليس لأن الداخلين لا يستحقون الفرح، بل لأن المحبة لا تعرف ابناً زائداً، ولا تقبل أن يكون الفرح كاملاً بغياب أحد.فالأب لا ينتظر أبناءه لأنه يحتاج إليهم، بل لأن المحبة لا تكتمل من دونهم.ولعل حكمة الجهل أن ندرك أننا لا نعرف متى يبدأ العرس حقاً، ما دمنا لا نعرف أين بقي الآخرون.لكن القلق هذه المرة لم يكن قلق الأب وحده.كان قلق لبنان على أبنائه الذين بقوا خارج العرس؛ أولئك الذين ما زالوا يظنون أن الطريق إلى الفرح يمر عبر الوهم، وأن الوطن يمكن أن يبنى خارج الوطن.فأرسل لبنان من أبنائه الحاضرين رسلاً يحملون الدعوات، ويقرعون الأبواب، وينادون من بقي في الخارج:"تعالوا... فالعرس لم يبدأ بعد. مكانكم محفوظ بين إخوتكم".لكن الذين في الخارج لم يصغوا. أسكتوا الرسل، ومزقوا الدعوات، وتمسكوا بأوهامهم أكثر.كلما جاءهم من يحمل دعوة إلى اللقاء، رأوا فيه عدواً. وكلما امتدت إليهم يد، بحثوا فيها عن خنجر. وكلما فتح لهم باب، صنعوا لأنفسهم باباً آخر.ومع ذلك، لم يغلق لبنان الباب.فالأب الذي ينتظر أبناءه لا يحول حزنه إلى كراهية، ولا غيابهم إلى انتقام. يبقى واقفاً عند العتبة، ينظر إلى الطريق، ويقول:"سيعودون. فليس العرس عرساً من دونهم".وحين زار لبنان إحدى مدن الوطن، رأى بعض أبنائها في الزيارة باباً يفتح، وحضوراً للدولة يعود إلى مكان اشتاق أهله إلى أن يروا الدولة فيه، وأن يكون الأمن من مؤسسات الوطن، لا من خارجها.كانت دعوة إلى العرس.لكن آخرين رأوا في الزيارة شيئاً آخر.فالذين أضاعوا المفتاح لا يرون في الباب المفتوح فرصة للدخول، بل تهديداً لما اعتادوا عليه خلف الأبواب المغلقة. يعشقون سعادة موهومة، ويخشون حقيقة قد تحرمهم منها.والذين سلموا مفتاحهم للوهم، يصعب عليهم أن يصدقوا أن الوطن يستطيع أن يحملهم جميعاً، وأن الدولة ليست خصماً لهم، بل بيتهم.لذلك قوبلت الدعوة بالرفض.وهنا تظهر حكمة الجهل: أن يخاف الإنسان من باب لم يعد يعرف أين وضع مفتاحه؟لم تكن المشكلة في الزيارة، بل في المفتاح.فالذي يملك مفتاحه لا يخاف من فتح الباب، أما الذي فقد مفتاحه، أو سلمه لغيره، فيخشى أن يفتح الباب.وهنا تكمن مأساة لبنان: أن يفرح بعض أبنائه حين يرون الدولة تدخل مدينتهم، فيما يخاف آخرون هذا الدخول، لأنهم لم يتعلموا بعد أن الدولة لا تأخذ منهم وطناً، بل تعيد إليهم وطنهم.ومع ذلك، بقي الأب واقفاً عند الباب.لا يريد أن ينتصر على أحد، بل يريد أن يعود الجميع.فالعرس ليس لمن سبق إلى الداخل، ولا لمن بقي في الخارج.العرس للبنان.ولبنان لا يكتمل إلا حين يعود المفتاح إلى صاحبه، وتعود الدولة إلى بيتها، ويعرف جميع أبنائه أن لهم مكاناً واحداً حول المائدة.