تتركز أنظار المراقبين على البنود الضريبية الواردة في موازنة 2027، ويسجلون أن كلفة حصول المواطن على الخدمات زادت بشكل كبير.إذ تتضمن الموازنة إجراءات تتعلق بالرسوم والغرامات، والضريبة على القيمة المضافة، والأملاك المبنية، والتركات، والأرباح العقارية، إلى جانب تعديلات تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز الرقابة، بينما السؤال الاساسي الذي يوجه إلى واضعيها، هل تكفي هذه الإجراءات لمعالجة الاختلالات المزمنة في النظام الضريبي اللبناني؟ وهل تنسجم مع مبدأ العدالة الضريبية، أم أن الموازنة لا تزال تعتمد بصورة أساسية على الضرائب غير المباشرة لزيادة الإيرادات؟ ترى جمعية حقوق المكلفين بالضرائبALDIC ، في دراسة اعدتها أن مشروع الموازنة يتضمن بعض الخطوات الإيجابية، لكنه لا يرتقي بعد إلى مستوى الإصلاح الضريبي الشامل، وتطرح الدراسة مجموعة من الملاحظات على بنوده الضريبية. أولا : يُسجَّل لمشروع موازنة 2027، كما لمشروع موازنة 2026، الالتزام إلى حدّ كبير بالمهل الدستورية والقانونية لإعداد الموازنة وإحالتها إلى مجلس النواب. إلا أن السؤال الأهم يبقى حول مدى التزام الحكومة بأحكام المادة 87 من الدستور وتقديم قطع حساب العام 2025، بما يسمح للنواب بتقييم التنفيذ الفعلي للموازنة السابقة ومقارنة الإيرادات والنفقات والتوقعات بالنتائج المحققة. فإعداد موازنة سليمة يفترض الانطلاق من تحليل علمي وشفاف لما تحقق فعلياً، ولا سيما في مجال تحصيل الضرائب، بهدف اعتماد سياسة ضريبية أكثر عدالة وفعالية. والإصلاح الحقيقي لا يبدأ بزيادة الإيرادات فقط، بل بوضع رؤية اقتصادية ومالية متكاملة تضمن التنمية المستدامة، وتموّل الحماية الاجتماعية والاستثمار، وتعيد المالية العامة إلى مسار مستدام. ثانيا: يُلاحظ أن مشروع موازنة 2027، باستثناء بعض التدابير الإيجابية لمكافحة التهرب الضريبي وتوسيع قاعدة المكلفين، لا يتضمن إصلاحات جوهرية لمعالجة الملفات الأساسية، كإعادة هيكلة الدين العام والقطاع العام والمؤسسات المملوكة للدولة، أو إصلاح النظام الضريبي بصورة شاملة. بل يعيد في أجزاء منه إجراءات سبق أن وردت في موازنات سابقة، مع التركيز على تأمين الإيرادات لتغطية النفقات التشغيلية، ولا سيما كلفة القطاع العام، من دون رؤية إصلاحية متكاملة. وتبرز المشكلة الأساسية في استمرار غياب العدالة الضريبية، إذ تعتمد غالبية الإيرادات على الضرائب غير المباشرة التنازلية التي تطال مختلف شرائح المجتمع، في وقت يتحمل فيه المكلف الملتزم عبئاً أكبر من المتهرب ضريبياً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من نظام الضرائب النوعية الحالي إلى نظام الضريبة الموحدة على الدخل، بحيث تجمع مختلف مصادر الدخل في وعاء ضريبي واحد يخضع لمعدلات تصاعدية، بما يحقق عدالة أكبر بين المكلفين وفقاً لقدرتهم الاقتصادية. وكان من المفترض أن يواكب مشروع الموازنة هذا الاتجاه، خصوصاً أن مشروع قانون جديد للضريبة على الدخل أُعد بالتعاون مع صندوق النقد الدولي وما زال قيد الدراسة. ثالثا: يتضمن مشروع الموازنة تعديلات على عدد من الرسوم والغرامات بهدف مواكبة التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية، إلا أن اعتماد نسب ومضاعفات جديدة يحتاج إلى مزيد من التبرير والشفافية. كما ينص المشروع على إعفاءات وتخفيضات في الغرامات، ومنها إعفاء المقيمين من الغرامات عند التصريح عن إيرادات رؤوس الأموال المنقولة المحققة في الخارج. وترى الجمعية أن تكرار هذه التدابير في الموازنات السابقة لم يؤدِّ إلى نتائج ملموسة، وقد يشجع على عدم الالتزام. والأجدى هو تفعيل قانون تبادل المعلومات الضريبية، والاستفادة من آليات التبادل التلقائي للمعلومات المالية مع الخارج.أما تخفيض غرامات التحقق والتحصيل بنسبة 85 بالمئة ، فيُعتبر تدبيراً يضعف مبدأ المساواة بين المكلفين الملتزمين وغير الملتزمين، ويؤثر سلباً على المواطنة الضريبية. وفي ما يتعلق بضريبة أرباح التفرغ عن العقارات، فإن خفض النسبة إلى 10 بالمئة لبعض الأشخاص الطبيعيين، في وقت يجري فيه التحضير لضريبة موحدة على الدخل، قد يكرّس تفاوتاً ضريبياً كان من الأفضل معالجته ضمن النظام الجديد. رابعا: في ما يخص الشركات القابضة والأوف شور، يتضمن المشروع إجراءات للحد من استخدامها في التهرب الضريبي وتبييض الأموال، منها رفع الضريبة السنوية المقطوعة وإلغاء بعض الإعفاءات. وتعتبر الجمعية إلغاء الإعفاء المتعلق بأسهم شركات الأوف شور خطوة إيجابية، مع ضرورة الانتباه إلى حالات الازدواج الضريبي والاتفاقيات الدولية. كما تدعو إلى معالجة الثغرات التي تسمح بالتهرب بدلاً من إلغاء النظام التفضيلي بصورة قد تؤثر في استقطاب الاستثمارات. خامسا: تعديلات رسم الطابع المالي، فمعظمها إجرائي وإيجابي، إذ تمدد مهل التصريح والتسديد وتسهّل الإجراءات الإلكترونية.وفي رسم الانتقال على ا