تدخل حكومة الرئيس نواف سلام جلسة المساءلة النيابية اليوم مطمئنة إلى بقائها، بعدما تحولت حركة السفراء والرسائل الدولية خلال الأيام الماضية إلى مظلة سياسية واضحة، منعت القوى الداخلية من الذهاب بعيداً في معركة إسقاطها. فالجهات الدبلوماسية التي تواصلت مع قوى سياسية ونيابية لم تدافع عن تفاصيل أداء الحكومة، ولم تمنح سلام صك براءة من التعثر، لكنها رسمت خطاً فاصلاً بين مساءلتها وإسقاطها. ويمكن اختصار الرسالة التي وصلت إلى القوى المعنية بعبارتين: ممنوع إسقاط الحكومة، وممنوع تهشيم صورة رئيسها. فالرئيس نواف سلام لا يزال خيار الخارج لإدارة المرحلة المقبلة، بما تحمله من مفاوضات ومساعٍ لحصر السلاح ودعم الجيش وإعادة ترتيب علاقة لبنان بالمجتمعين العربي والدولي. لذلك، لا تريد العواصم المعنية إضعافه في لحظة تعتبر أنه يحتاج فيها إلى غطاء سياسي يسمح له باستكمال مهمته. ولا تعني هذه الحماية أن السفراء راضون عن أداء الحكومة أو أن سلام حصل على حصانة مفتوحة، بل إن القرار الخارجي في هذه المرحلة يقوم على حماية الاستقرار الحكومي ومنع فتح فراغ جديد. ولذلك، يمكن توجيه الانتقادات إلى الحكومة ومساءلة وزرائها، لكن من دون تحويل الجلسة إلى عملية سياسية منظمة لإسقاطها أو ضرب صدقية رئيسها. وبفعل هذه المظلة، تراجعت عملياً احتمالات طرح الثقة بالحكومة، وتحولت الجلسة إلى منصة لتسجيل المواقف وتوجيه الأسئلة. فلا توجد أكثرية نيابية قادرة أو راغبة في خوض مغامرة إسقاط سلام، ولا تبدو القوى الأساسية مستعدة لتحمل مسؤولية إنتاج فراغ حكومي بينما يواجه لبنان تصعيداً إسرائيلياً مفتوحاً في الجنوب، ويستعد لمؤتمر دعم الجيش، ويدخل مرحلة جديدة من المفاوضات. لكن المفارقة أن الحكومة لن تكون المستهدف الحقيقي في الجلسة. فالخطة السياسية باتت واضحة: استخدام المساءلة الحكومية لمحاكمة خيارات "حزب الله"، وخصوصاً قرار الحرب، وملف السلاح، وتعثر انتشار الدولة في الجنوب، وما جرى في علي الطاهر. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى كتلة "الجمهورية القوية"، التي يُتوقع أن تكون الأكثر عنفاً في مواجهة "حزب الله". فنواب "القوات اللبنانية" سيدخلون الجلسة على قاعدة أن المشكلة لم تعد في صدور القرارات الحكومية، بل في عدم تنفيذها، وأن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة أفقد الحكومة القدرة على حماية لبنان ومنع إسرائيل من فرض وقائع جديدة على الأرض. وستحاول "القوات" دفع سلام إلى تقديم إجابات مباشرة: ماذا نُفّذ من قرار حصرية السلاح؟ أين أصبحت خطة الجيش؟ مَن يعطل تطبيقها؟ وما مصير المواقع التي بقيت خارج سيطرة الدولة؟ وهل تستطيع الحكومة فرض قراراتها على "حزب الله"، أم أنها تكتفي بإعلانها وتركها معلقة؟ وبذلك، ستسعى "القوات" إلى حماية الحكومة من السقوط، مع تحويل جلستها إلى محاكمة سياسية للحزب. فهي لا تريد إسقاط سلام، لكنها ستطالبه بإثبات أن بقاء حكومته ليس مجرد رغبة خارجية، بل فرصة فعلية لاستعادة القرار العسكري والأمني ووضعه في يد الدولة. في المقابل، سيحاول "حزب الله" وحلفاؤه قلب المواجهة، عبر تحميل الحكومة مسؤولية العجز عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والتأخر في إعادة الإعمار، وعدم تأمين الحماية والدعم لأهالي الجنوب. كما سيعملون على تقديم الجلسة بوصفها محاولة لإضعاف الحزب تحت الضغط الخارجي، لا لمحاسبة السلطة التنفيذية على أدائها. وهكذا، تمثل حكومة سلام أمام مجلس النواب، لكنها ليست المتهم الأول. فالسفراء أمّنوا بقاءها وحماية صورة رئيسها، فيما تستعد "القوات اللبنانية" لفتح أعنف مواجهة نيابية مع "حزب الله". أما السؤال الذي سيطغى على الجلسة فلن يكون: هل تسقط الحكومة؟ بل: هل تستطيع هذه الحكومة تنفيذ قرارها بحصرية السلاح، أم أن حماية الخارج لسلام أقوى من قدرته على فرض قراراته في الداخل؟