أثار استمرار غياب المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي عن الأنظار، بعد 6 أشهر من اندلاع الحرب، تساؤلات متزايدة بشأن وضعه الصحي ودوره في إدارة البلاد، فيما يؤكد مسؤولون إيرانيون أنه لا يزال صاحب القرار النهائي في القضايا الكبرى، وفق تقرير لوكالة "رويترز". وبحسب الوكالة، لم تُنشر أي صورة حديثة أو رسالة صوتية أو مصوّرة لخامنئي منذ تعيينه بعد أسبوع من بدء الحرب، واقتصر تواصله مع الإيرانيين على بيانات مكتوبة تلاها مذيعو الأخبار. كما غاب عن مراسم تشييع والده التي استمرت أسبوعاً الشهر الماضي. ونقلت "رويترز" عن مسؤولين ومصادر رفيعة داخل إيران أن خامنئي يدير شؤون الحكم بعيداً عن الأنظار لأسباب أمنية، بينما يتعافى من إصابات بالغة تسبّبت بتشوّه وجهه، وقد فوّض دائرة ضيقة من كبار المسؤولين بصلاحيات واسعة لمتابعة الشؤون اليومية. وأكدت المصادر أنه يعقد اجتماعات متكررة مع كبار المسؤولين، ويتلقى التقارير الرئيسية ويشارك في المداولات، محتفظاً بالكلمة الفصل في الملفات المهمة. وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد أعلن، في 10 آب، أنه عقد اجتماعاً معه استمر 7 ساعات. وأوضح مسؤول إيراني رفيع أن عدداً محدوداً من المسؤولين يلتقي خامنئي مباشرة، وأن حجب التفاصيل المتعلقة به يهدف إلى منع تسرّب معلومات قد تتيح للولايات المتحدة استهدافه. وقال شخص مقرّب من دائرته الداخلية إن صحته تتحسّن بصورة ملحوظة، مؤكداً أنه متّقد الذهن ومنخرط في اتخاذ القرارات. واستشهد مسؤول آخر باستمرار الخدمات العامة ووحدة السياسة الخارجية واتّساق القرارات، معتبراً أن ذلك يؤكد بقاء المرشد على رأس السلطة. إلا أن هذه التأكيدات لم تُنهِ التساؤلات، حتى بين بعض مؤيدي النظام. ونقلت الوكالة عن أحد أفراد قوات "الباسيج" في مدينة قم قوله إن سماع صوت خامنئي أو ظهور إشارة تؤكد قيادته للبلاد بات ضرورياً لتعزيز الثقة. وأضاف العنصر، الذي طلب عدم كشف هويته، أنه يعتقد أن خامنئي لا يزال يتخذ القرارات الأساسية، لكن غياب أي صورة له يضرّ بالمعنويات ولا يخدم مصلحة إيران. وفي المقابل، تساءل رجل أعمال مؤيد للإصلاح في طهران عن الأدلة التي تثبت أن خامنئي لا يزال حياً، معتبراً أن غياب أي إشارة علنية إليه يثير الشكوك بشأن مشاركته في صنع القرار. وقال أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط في واشنطن: "لم يعد السؤال ما إذا كان مجتبى حياً، بل ما إذا كانت إيران لا تزال تملك مرشداً أعلى يمارس مهامه فعلياً". وتأتي هذه التساؤلات بينما تواجه إيران قرارات مصيرية بشأن الحرب وتداعياتها الاقتصادية. وبحسب التقرير، حافظ النظام السياسي على تماسكه رغم خسارة المرشد السابق وقادة كبار، فيما احتفظت القوات الإيرانية بقدرتها على تهديد إمدادات الطاقة العالمية واستهداف حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. لكن كلفة الحرب والحصار المفروض منذ أشهر على صادرات النفط أضعفا الاقتصاد وأدّيا إلى انهيار الريال، ما يهدّد بتجدّد الاحتجاجات التي قمعتها السلطات في كانون الثاني، وأسفرت، بحسب التقرير، عن مقتل آلاف المتظاهرين. وفي ظل هذه الضغوط، أعادت المؤسسة الحاكمة ترتيب أولوياتها حول الحفاظ على الدولة واستعادة الردع ومنع التداعيات الاقتصادية من زعزعة الاستقرار. وأفادت مصادر "رويترز" بأن نفوذ الحرس الثوري تعاظم منذ بداية الحرب، وبات يؤدي دوراً محورياً في التوجّهات الاستراتيجية ضمن منظومة حكم أُعيد تشكيلها حول المجلس الأعلى للأمن القومي، وتضم كبار قادته إلى جانب بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وكان مجتبى خامنئي قد أصيب في الغارات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت إيران في 28 شباط وأودت بحياة والده. وقبل تولّيه منصب المرشد، عُرف بتفضيله العمل بعيداً عن الأضواء بصفته أبرز مساعدي والده. وحذّر فاتانكا من أن الغياب المطوّل يتيح للفصائل المتنافسة الادّعاء بأنها تعرف ما يريده المرشد، مشدّداً على أن أي اتفاق مع واشنطن، أو قرار بمواصلة صراع طويل ومكلف معها، يحتاج إلى موافقة واضحة منه.