دخلت انتخابات التجديد النصفي الأميركية حسابات المواجهة مع إيران قبل موعدها. الرئيس دونالد ترامب توقع انتهاء الحرب مباشرة بعد الانتخابات، واتهم طهران بمحاولة التأثير في نتائجها عبر إطالة أمد الصراع. وربطه بين المسارين يؤكد حجم تأثير الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر في قرارات إدارة تخوض حرباً في الخارج وتواجه تحدياً سياسياً في الداخل. وتزداد أهمية تشرين الثاني لأن كلفة الحرب وصلت إلى الناخب الأميركي عبر ارتفاع أسعار الوقود وأكلاف المعيشة، في وقت يحتاج فيه الجمهوريون إلى الحفاظ على غالبيتهم في الكونغرس. وخسارة أحد المجلسين تمنح الديموقراطيين أدوات أوسع للرقابة على الإدارة والإنفاق العسكري. ومع اقتراب موعد الاقتراع، يتحول استمرار الحرب إلى عبء انتخابي على الجمهوريين. يدرك النظام الإيراني حساسية التوقيت، إذ تذهب التقديرات إلى أنه يسعى إلى رفع الكلفة السياسية على واشنطن مع اقتراب الانتخابات. تبدو المعادلة معكوسة بين الطرفين. ترامب يراهن على أن إيران لن تستطيع تحمل الضغط إلى ما بعد موعد الاقتراع، بينما ترى طهران أن استمرار الحرب سيجعل موقعه السياسي أكثر صعوبة كلما اقترب الحسم الانتخابي. تميل واشنطن إلى إدارة أكثر انتقائية للحرب، تجمع بين الضربات المحددة والضغط الاقتصادي والبحري والعقوبات، وتحاول حصر العمليات من دون فتح جبهات إضافية. ويمكن وصف المقاربة بترشيد استخدام القوة أو إدارة المخاطر. غير أن نجاحها يتوقف على قدرتها على منع الخصم من استغلال ضبط التصعيد وتوسيع الصراع إلى ساحات أخرى. تعمّدت إيران رفع مخاطر الملاحة وكلفة التأمين، وساهمت في ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها تدفع ثمناً اقتصادياً مع تعطل صادراتها وتحول ناقلاتها النفطية إلى أهداف للضربات الأميركية. واستمرار استخدام مضيق هرمز أداةً للمواجهة يشجع دول المنطقة على تسريع البدائل، ما قد يقلل قيمته كورقة إيرانية. كما أثارت دعوة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إلى إنهاء الحرب وموقفه الأكثر مرونة حيال هرمز سجالاً داخل إيران حول كلفة استمرار النهج الحالي. وكلما ضاقت خيارات النظام الإيراني في مضيق هرمز، ارتفعت قيمة الجغرافيا اليمنية في باب المندب. تقدم الحوثيين في المخا وذباب وميون وحنيش قرّبهم من مسارات التجارة والطاقة في البحر الأحمر، ورفع قدرتهم على تهديد السفن بوسائل عسكرية أبسط وأقصر مدى. والتقارير عن الدعم والمشورة من إيران تعزز ارتباط الجبهتين. والتعاطي مع الحوثيين خلال السنوات الماضية قام إلى حد كبير على احتوائهم، لكنهم ما زالوا يتصرفون بمنطق ميليشيا مسلحة، وعادوا إلى السيطرة على مناطق كانت محررة سابقاً. وبذلك اتسع نطاق الضغط من ممر بحري واحد إلى ممرين، في خسارة استراتيجية تفرض إعادة النظر في الملف اليمني بشماله وجنوبه. تسعى إدارة ترامب إلى ضمان استمرار المرور عبر باب المندب من دون مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين، وتفضل دعم شركائها مع تركيز قدراتها على المواجهة مع إيران. غير أن تجنب فتح جبهة إضافية قد يسمح للحوثيين بتثبيت مكاسب تجعل التعامل معها لاحقاً أكثر صعوبة. كما أن تصاعد المخاطر في البحر الأحمر يضغط على البدائل التي يفترض أن تخفف الاعتماد على مضيق هرمز، ويمتد أثرها إلى قناة السويس. وتقدم الإمارات مقاربة تجمع الحزم مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً. لقاء سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة "بريكس" في نيودلهي يعكس موقفاً تعامل مع النظام الإيراني بحزم وضغط عليه اقتصادياً، من دون إغلاق المسار السياسي. فالحوار ممكن إذا استند إلى موقف قوي، لكن استعادة الثقة بعد الاعتداءات لن تكون سهلة، وسترتبط بتغير السلوك الإيراني. ستؤثر نتيجة تشرين الثاني في هامش حركة ترامب. فوز الجمهوريين يمنحه مساحة سياسية أوسع لمواصلة مقاربته، وخسارة مجلس أو المجلسين قد تزيد القيود السياسية والرقابية والمالية، من دون افتراض أنها ستنهي الحرب. وفي الحالتين، يحتاج الخليج إلى تعاون حقيقي يعزز قدرته على حماية مصالحه وأمنه، ويجمع بين الردع والديبلوماسية، بصرف النظر عمن يملك الغالبية في الكونغرس.