بعد أن خافَ السوريون طوال عقود من وجود الأسد في السلطة، قد يبدأون الآن بالخوف من بعضهم البعض. ليست هذه نبوءة متشائمة بقدر ما هي محاولة لقراءة اللحظة السورية الجديدة، من خلال مفارقة ظهرت خلال يومين فقط، كأنّها تختصرُ عاماً كاملاً من التحولات. ففي الوقت الذي كان فيه حكمت الهجري يتحدّث عن انتماء الدروز إلى إسرائيل، وعن اشتراكهم معها في العقيدة والفكر، وعن إمكان أن تجد السويداء حلاً عبر الانضمام إليها، كان مظلوم عبدي يجلس في قصر الشعب بدمشق، معلناً انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، وحل الإدارة الذاتية مع الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية، ثم يجتمع مع الرئيس السوري أحمد الشرع بحضور وزير خارجيته أسعد الشيباني. وبين المشهدين، لا تكمن المفارقة في موقف رجل درزي من إسرائيل مقابل قرار قائد كردي بالانضمام إلى الدولة فحسب، بل في سؤالٍ أكبر بكثير: ماذا يفعل السوريون المختلفون حينَ تسقط الدولة التي كانت تجمعهم بالخوف؟ طوال عهد الأسد كان هناك خوف واحد تقريباً يختصر بقية المخاوف: الخوف من السلطة. كان النظام يملك تعريفَ الوطن وحدوده وهوياته ويقرر من هو الوطني ومن هو الخائن ومن هو الانفصالي ومن هو المتطرف ومن يستحق الحماية ومن يستحق العقاب. وحينَ سقط الأسد لم تسقط معه كل هذه التصنيفات بل سقطَ المركز الذي كان يحتكرُ استخدامها. لذلك فإنّ الخطر السوري المقبل قد لا يكون عودة النظام القديم ولا حتى اندلاع حرب أهلية بالمعنى الذي عرفتهُ البلاد في سنواتها الأولى بعد 2011 إنما ظهور شيء أكثر تعقيداً: مجتمع لا يعود فيه الخوف موجهاً إلى السلطة وحدها، بل يبدأ كلّ مكوّن فيه بالسؤال عمّن سوف يحميه من المكوّن الآخر. هنا يصبح كلام الهجري أكثرُ من موقفٍ سياسي صادم مهما كان مرفوضاً أو قابلاً للنقد. حين يقول رجل دين سوري إنّ جماعته هي جزء لا يتجزأ من إسرائيل فإنهُ لا يعلن فقط قطيعة مع دمشق، بل يقدّم نموذجاً بالغ الخطورة لطريقة يمكن أن تتشكّل بها السياسة بعد سقوط الدولة الأمنية: أن تتحول الجماعة إلى وطن مصغّر، وأن يصبح الخارج ضمانة للداخل، وأن تتحول فكرة الحماية من حق للمواطن إلى امتياز لجماعة تبحث عن قوة أكبر منها. وفي الجهة الأخرى، يأتي مشهد مظلوم عبدي كاحتمال مختلف تماماً. الرجل الذي قاد قوة عسكرية وسياسية تمتلكُ إدارة ومؤسسات وأرضاً واسعة وشبكة علاقات دولية، أعلن حل القوة والاندماج في مؤسسات الدولة ثم ظهرَ في قصر الشعب إلى جانب الشرع والشيباني في صورة كانت قبل سنوات قليلة تبدو أقرب إلى الخيال السياسي منها إلى الخبر. والأهم أنّ نهاية قسد لم تعنِ نهاية الكُرد في السياسة السورية بل انتقال قضيتهم من السلاح إلى المؤسسات. فالمقترحات التي ظهرت بعدَ الاتفاق تتحدث عن دور لمظلوم عبدي مستشاراً رئاسياً، وعن دخول إلهام أحمد كعضو في مجلس الشعب، وعن معالجة ملفات كردية داخل مؤسسات الدولة نفسها. وهذه هي اللحظة التي تستحق أن نتوقف عندها: سوريا تقف أمام مسارين متناقضين لتسوية سؤال الجماعات. المسار الأول يقول إنّ ضمانة الجماعة هي أن تمتلك قوة خاصة بها وأن تبحث عن حماية خارجية إذا لم تثق بالمركز. والمسار الثاني يقول إنّ الضمانة هي أن تدخل الجماعة إلى الدولة نفسها وأن تنتزع حقوقها من داخل مؤسساتها. لا يعني ذلك أنّ اندماج قسد حل كلّ القضية الكردية، ولا أنّ الدولة السورية أصبحت فجأة دولة مواطنين مكتملة، ولا أنّ تجربة السويداء يمكن اختصارها في موقف الهجري. لكنهُ يكشف شيئاً مهماً عن المعركة السياسية المقبلة: هل ستصبح سوريا دولة يستطيع فيها الكردي والدرزي والعلوي والمسيحي والّسني أن يطلبوا حقوقهم بوصفهم مواطنين، أم ستعود كل جماعة إلى البحث عن جيشها وحاميها وحدودها ومرجعيتها الخارجية؟ هنا يصبح لبنان حاضراً بقوة حتى لو لم نذكره في كل سطر. لبنان عرف هذه المعادلة قبل سوريا بكثير. بدأت الطوائف فيه تبحث عن ضمانات ثم تحولت الضمانات إلى زعامات ثمّ تحولت الزعامات إلى مؤسسات موازية، ثم صار لكلّ جماعة تاريخها الخاص وخوفها الخاص وذاكرتها الخاصة وسلاحها أيضاً الخاص في مراحل معينة. لم يتحول لبنان إلى بلد طائفي لأنهُ اكتشف فجأة أنّ مواطنيه ينتمون إلى طوائف مختلفة، بل لأنه أقنعهم بأن حقوقهم لا يمكن أن تكون مضمونة إلاّ إذا كانت طوائفهم قوية. وهذه هي الفكرة التي ينبغي أن تخشاها سوريا أكثر من أي شيء آخر: أن تنتقل من دولة تقول فيها السلطة للسوريين "أنا أحميكم" إلى دولة تقول فيها كل جماعة لأفرادها "نحن نحميكم". في الحالة الأولى كان الاستبداد هو الحامي المعلن وفي الثانية تصبح الطائفة أو القومية أو المنطقة هي الحامي البديل. وفي الحالتين يبقى المواطن وحيداً. لذلك قد يكون السؤال الحقيقي بعد سقوط الأسد ليس كيف نبني دولة قوية، وإنما كيف نبني دولة لا يحتاج فيها أحد إلى جماعته كي يشعرَ