بهذه الكلمات الحاسمة أجابتني الشيخة حسينة عندما حاولت إقناعها بعدم العودة إلى بنغلاديش في الوقت الراهن، إلى أن تصبح الظروف أكثر أمناً. لم تتردد، ولم تترك مساحة للشك في قرارها. قالت لي إنها عاشت المنفى من قبل، وإنها عادت إلى وطنها وشعبها وخدمتهم، مؤكدة أن المنفى ليس بديلاً عن العودة إلى أرض تعتبرها جزءاً من هويتها ومسيرتها السياسية. قالت لي ببساطة وحسم: "لقد كنت في المنفى من قبل، وعدت إلى شعبي وخدمتهم". وعندما قلت لها إنني أخشى عليها من العودة في ظل الظروف الراهنة، وإنني أفضل أن تنتظر حتى تصبح عودتها أكثر أمناً، أجابتني: "سأعود، أنا لا أخاف. وإذا قتلوني فسألتحق بأبي في الجنة". ثم أوضحت أن الأعمار بيد الله، وأن الإنسان لا يستطيع أن يهرب من قدره. كان حديثها يعكس إيماناً عميقاً بأن حياتها ومصيرها في نهاية المطاف بيد الله، وأن هذا الإيمان يمنحها القوة لمواجهة الخوف والمخاطر التي قد تنتظرها عند العودة. لم أشعر وهي تتحدث أن الموت كان بالنسبة إليها تحدياً أو شعاراً سياسياً، بل كان جزءاً من نظرتها إلى الحياة والقدر. كانت تتحدث بهدوء امرأة تعرف المخاطر، لكنها لا تسمح للخوف منها بأن يحدد خياراتها. وفي تلك اللحظة تحديداً، بدا لي أن مصدر قوتها ليس فقط تجربتها السياسية الطويلة أو إرثها العائلي، وإنما أيضاً إيمانها بأن الحماية والمصير بيد الله، وأن الإنسان لا يملك أن يحدد موعد نهايته. لم يكن في صوتها خوف، ولم أشعر بأن المخاطر التي تدركها جيداً قد غيّرت موقفها. أُتيحت لي فرصة مراقبة الشيخة حسينة عن قرب عقب المؤتمر الصحافي الافتراضي الذي خاطبت من خلاله الصحافيين حصرياً عبر نادي المراسلين الأجانب في جنوب آسيا (FCC South Asia) في نيودلهي. وما لفتني لم يكن فقط مضمون حديثها، بل أيضاً نبرات صوتها وتعبيراتها، ولا سيما عندما غصّت الكلمات في حلقها وهي تستذكر والدها، الشيخ مجيب الرحمن، مؤسس بنغلاديش ورمز استقلالها. في تلك اللحظات، بدا أن خلف القائدة السياسية التي عرفها العالم لعقود امرأة تحمل في داخلها ذاكرة شخصية عميقة لم يمحها الزمن ولا قسوة التجربة السياسية. حظي المؤتمر باهتمام استثنائي، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 40 مليون شخص تابعوا الحدث، بينهم شخصيات سياسية وقيادات حالية في داكا. لكن ما أثار اهتمامي لم يكن حجم الجمهور وحده، ولا الأرقام التي رافقت الحدث، بل المرأة التي كنت أراقبها بعيداً عن الكاميرات؛ المرأة خلف القائدة والسياسية، وهي تستعيد تاريخاً شخصياً ووطنياً متشابكاً في لحظة واحدة. وخلال اللقاء بها لإجراء المقابلة، أُتيح لي أن أراقبها عن قرب، وأن أقرأ ما وراء كلماتها في تعابير وجهها، ونظراتها، ونبرات صوتها ولغة جسدها؛ وهي تفاصيل لا تستطيع الكاميرا دائماً نقلها. كانت هادئة، متماسكة ومركزة بصورة لافتة. بدت مدركة تماماً للتطورات السياسية المحيطة بها، ومسيطرة على تفاصيل الحديث. وبينما كان بعض أفراد فريقها يأتون للقائها، كانت تواصل توجيهاتها إليهم، وتناقش التطورات، وتستعيد تفاصيل دقيقة للأحداث بصورة أدهشتني. كنت أراقبها وهي تنتقل بسلاسة من الصورة السياسية الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة والمعقدة، فتستحضر أسماء ووقائع وتفاصيل بدت حاضرة في ذاكرتها بوضوح لافت. كانت تتحدث بثقة وهدوء، من دون ارتباك أو تردد، وكأن سنوات الأزمات والمنفى لم تنتقص من قدرتها على الإمساك بخيوط المشهد. في عمر قد يجد فيه كثير من القادة صعوبة في الحفاظ على هذا القدر من التركيز والطاقة، بدت حسينة مصممة بصورة استثنائية. لم تكن هناك محاولة لاستعراض القوة، ولا خطاب درامي مفتعل، بل إصرار هادئ وعميق على العودة إلى البلد الذي تعتبره وطنها، وإلى شعب ترى أن مسيرتها السياسية مرتبطة به ارتباطاً لا يمكن فصله. وهنا وجدتني أتساءل: "ما الذي يجعل امرأة في هذا العمر تتمسك بهذه القوة بالعودة إلى بلد تعرف أن المخاطر فيه قد تكون حقيقية؟ وما الذي يدفعها إلى مواجهة المجهول، بدلاً من البقاء في المنفى حيث يمكنها أن تعيش بأمان أكبر؟" ربما تكمن الإجابة في تاريخها الشخصي، وفي علاقتها العميقة ببنغلاديش وشعبها، وفي إرث والدها، الشيخ مجيب الرحمن، الذي لا يزال حاضراً بقوة في فهمها لتاريخ بلادها ولموقعها هي في هذا التاريخ. لم تبدُ عبارة "سأعود حتى لو قتلوني" بالنسبة إليّ مجرد جملة عاطفية أو محاولة للتأثير السياسي، بل بدت تعبيراً عن قناعة راسخة بأن حياتها ومصيرها في نهاية المطاف بيد الله، وأن الإيمان هو ما يمنحها القدرة على مواجهة الخوف والمخاطر. ومن هذه الزاوية الشخصية والسياسية، بدت عودتها أكثر من قرار سياسي؛ بدت مسألة انتماء ووفاء لوطن وشعب وإرث عائلي، وإيماناً بأن المنفى مهما طال لا يمكن أن يكون بديلاً عن الوطن. ومن هنا أجابتني الشيخة حسينة عن أسئلتي. ما يلي ليس مجرد حوار مع رئيسة وزراء سابقة تعيش