انشغلت الأوساط السياسية في لبنان على اختلاف مستوياتها وتلاوينها، في تفسير الكلام المفاجئ والجديد من نوعه، الذي صدر عن المبعوث الرئاسي الأميركي والسفير لبلاده في تركيا، طوم براك، الذي قال فيه: "المشكلة هي أنه لا يوجد على طاولة المفاوضات الأشخاص الذين يمكنهم اتخاذ القرار. الأشخاص الذين يمكنهم اتخاذ القرار هم حزب الله وإيران". وسأل: "كيف سيزول الأمر إذا لم يكن حزب الله وإيران منخرطين؟". بعد ساعات من هذا الكلام، لاقاه عضو المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي قائلاً: أن "حزب الله" لا يغلق نهائيًا باب التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن أي قرار من هذا النوع يبقى مرتبطًا بالمصلحة والظروف. في اليوم التالي، وبعد تفاقم وتكاثر ردود الأفعال والتعليقات المتعجبة والمستهجنة من كلامه وموقفه، عاد براك إلى توضيح كلامه وما صدر عنه، وقوله كلاماً معاكساً للكلام الأول، ليعيد محاولة ترقيع الفجوة والسقطة التي ولدها وتركها موقفه في جدار السلطة في لبنان، بعد أن مثل كلامه أكبر خرق وتعد على سيادة الدولة اللبنانية، المتأملة بدولته العظمى والمراهنة على دعمها! هنا، سرعان ما عاد برّاك إلى توضيح وتصحيح موقفه، قائلاً: "الولايات المتحدة، تفاوض الحكومة اللبنانية بوصفها السلطة الشرعية ولا تفاوض حزب الله". طبعاً، في هذه الأثناء أصيب جماعة السيادة الدارجة والمتضخمة مؤخراً، بصدمة خفيفة ومتوسطة، لم تصل إلى حدود الجلطة الدموية الكاملة! الذي جرى، ليس عابراً، ولا يمكن أن يمر مرور الكرام كأن شيئاً لم يكن ولم يحدث. الواقع أن كلام براك ليس زلة لسان، ولم يكن خطوة في الهواء. وبالطبع طوم براك ليس رجلاً خرفاً، بل قد يكون هذا الكلام بمثابة انعكاس للواقع الراهن في المنطقة والعالم! الأمر المهم، لم يقتصر على ما صدر عن براك بل ما تبعه من كلام لسفير الولايات المتحدة الأميركية في بيروت اللبناني "القح"، الأصيل والحنون، ميشال عيسى، في زيارته لمفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان في دار الفتوى، حيث عاد وكرر الرسالة والمعادلة والكلام السياسي نفسه تجاه الحزب وقال: "إذا كان الحزب عنده شيء ما يقدمه لنا، فممكن، أما أن يكون التفاوض عبارة عن زيارات "روح وتعا ونشرب قهوة" ما زابطة". العبارة الدالة ومفتاح الكلام قوله (إذا كان الحزب عنده شيء يقدمه لنا ممكن...) هنا، لم يعد الأمر مجرد زلات لسان، أو أخطاء في التعبير من سفيرين أميركيين في المنطقة، في تركيا وبيروت. والاثنان هما من أصدقاء الرئيس ترامب المقربين. لو سألنا الصديق الآخر لترامب، اللبناني الأصل ومستشاره الثاني اللبناني، بولس مسعد، لأجاب الجواب نفسه كزميليه! ماذا يعني كل ذلك في السياسة، وما هي خلفيات هذه النوايا الطيبة التي تظهر كزلات لسان ودردشات وأفكار واقتراحات من براك ومن عيسى؟ ما يمكن التوقف عنده، أن هذا الكلام، أو هذه الجمل المفيدة، التي تخرج على لسان أصدقاء ترامب والمحيطين به، ليست بعيدة عن حالة ترامب نفسه المتخبط في حربه مع إيران، حيث فشل عسكرياً في إخضاع النظام الإيراني أو تقويضه، وإسقاطه. بالرغم من قتل عدد كبير من قيادته بما فيهم مرشده الأعلى علي خامنئي، وتدمير مقاره العسكرية وإلحاق خسائر كبيرة فيه. إذ لا يبدو حتى الآن أن الحرب الاقتصادية ستجد فاعليتها المأمولة ونتائجها المرجوة السريعة. الواقع هنا، من المنطقي التفكير والاعتقاد والشك بقوة، نتيجة التجارب السابقة مع الولايات المتحدة الأميركية، وعلى وجه الخصوص فريق رجال الأعمال الحالي الحاكم في واشنطن، والمتقن للصفقات والبيع والشراء، أن كلام براك ومن بعده كلام عيسى، هو رسالة أميركية في كل الاتجاهات وتحديداً لإيران وحزب الله، وهي انعكاس لما يجري على أرض الواقع وليس في الكواليس. الحرب التي أعلنها ترامب، على إيران، بتوريط من نتنياهو، وبلغت شهرها السادس، وفشلت عسكريا، تحولت الآن من "الغضب الملحمي" إلى "الغضب الاقتصادي"، حيث تُفرض على إيران أقصى وأصعب العقوبات في التاريخ. المحللون، ومنهم أميركيون ومعادون لإيران ومحورها، بدأت تظهر منهم ومقالات وتحليلات متعددة وأسئلة، تتحدث عن نتائج فشل ترامب، وتخبطه في حربه على إيران على مختلف المستويات. حتى أن البعض أخذ يتحدث عن ملامح تكرار "حالة السويس" والتي حدثت مع عبد الناصر عام 1956 بعد تأميمه قناة السويس، ما استدعى التدخل والعدوان الثلاثي، وما نتج عنه من تبدلات في موازين القوى الإقليمية والدولية في المنطقة. يجب عدم المرور أمام كلام براك وعيسى مرور الكرام كأنه لم يكن. من الإنصاف والواقعية والعقلانية، عدم استبعاد انقلاب السحر على الساحر وتبدل المواقع نتيجة فشل سياسات وخطط رجل مضطرب ومهزوز ومنقاد ومسيّر بأهواء ومطامع صعبة التحقق. الإشارات على فشل الطروحات والسياسات الأميركية في المنطقة ولبنان كثيرة، منها كلام براك وعيسى، ومنها استنجاد