كشف العدوان الإسرائيلي على لبنان، خلال العام الجاري، حدود عجز الأونروا وتراجع دورها بإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وأظهر درجة تخلي السلطات اللبنانية عن شريحة كبيرة تسكن معها الأرض نفسها، ووضع الجهاز السياسي الفلسطيني موضع اتهام وتشكيك. وأماط العدوان اللثام عن تراجع دور المجتمع الأهلي الفلسطيني. أهمّية هذه القضية، والحاجة إلى المكاشفة، جمعت المؤسسات الأهلية الفلسطينية في لبنان بندوة بعنوان "أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في ظل العدوان الإسرائيلي على لبنان". وأتت الندوة بدعوة من "مؤسسة العودة" و"منظمة ثابت لحق العودة" و"الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين"، وتناولت محاور عدّة وجرى تقديم أوراق عمل تحت عنوان: "أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان أثناء العدوان" و"الإعلام الفلسطيني في لبنان: بين الاستهداف والمسؤولية الوطنية"، و"نحو معالجة حقيقية لواقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان". واختتمت الندوة بورقة تحت عنوان "قراءة في سياسات وبرامج الأونروا أثناء العدوان". سلّطت الأوراق المقدمة في الندوة الأضواء على الفراغ الإداري والإغاثي والسياسي الذي عاشه المجتمع الفلسطيني في لبنان خلال العدوان، وتركز حول دور الأونروا. فقد كان هذا المجتمع بلا حماية اجتماعية، وسقط 10 شهداء منه وهم يقصدون أشغالهم في بساتين مدينة صور، بينهم أب وابنه. وفُصلت، أو تكاد، مخيمات وتجمعات فلسطينية عن باقي الأراضي اللبنانية، بالمعنى السياسي والاجتماعي. وطرقت مداخلات الحاضرين لدور الأونروا وتراجع دور الفصائل الفلسطينينة. كانت خدمات الأونروا تترنح قبل الحرب، والمظاهرات التي ينظمها الفلسطينوين شبه أسبوعية أمام مركزها الرئيسي، لكن لم يكن يُـتوقع أن تتراجع إلى هذا الحد الذي وصلت إليه مؤخراً، حتى قياساً بعدوان أيلول 2024. ففي العدوان السابق، أدارت الأونروا خلال الحرب 12 مركز إيواء، ووصل عدد الأشخاص الذين استضافتهم إلى أكثر من 4550 شخصاً في ذروة النزوح. بلغت نسبة الفلسطينيين من بينهم حوالي 65 في المئة. هي أرقام هزيلة، لكن تصبح مهمة إذا ما قورنت بالأرقام خلال العدوان الأخير. فلم تفتتح الأونروا سوى مركزين للنزوح، واحد في معهد سبلين، وآخر في مدرسة بتير في مخيم نهر البارد شمال لبنان، وبلغ عدد النازحين الإجمالي في المركزين 1741 نازحاً، من بينهم 554 لبنانياً، 448 لاجئاً فلسطينياً يعيشون في لبنان، 439 سورياً، إضافة إلى 289 فلسطينياً نازحاً من سوريا منذ سنوات. وأزالت الأونروا علمها عن مدرستي بيرزيت وبيت جالا، ما يعني إسقاط الحماية الأممية عنهما. وهناك اختلاف جذري بالدعم الذي قدمته الأونروا خلال عدواني 2024 و2026، ففي العدوان الأول توافرت الفرش والوسائد والوجبات الجاهزة والماء، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، والمطبخ الدائم في بعض المراكز، وهو ما افتقده المركزان خلال عدوان 2026. وبلغ شحّ الموارد أن تُطلق المديرة العام دروثي كلاوس نداءً لجمع 12.3 مليون دولار، وهو مبلغ لا يمكن أن يستجيب لجزء بسيط من التحديات. فشل النظام السياسي الفلسطيني وطرقت مداخلات المشاركين في الندوة إلى دور النظام السياسي الفلسطيني خلال العدوان، وغياب الفصائل الفلسطينية عن المخيمات خلال العدوان، وتقلص معها حضورها كقوة اجتماعية كانت حاضرة في حروب سابقة، من خلال أذرعها الاجتماعية أولاً، وثانياً بالضغط باتجاه تنظيم الحياة من صحة ونظافة، والتواصل مع المؤسسات الاجتماعية المحلية والدولية وضبط الأمن. قبل العدوان الأخير، تعرض المجتمع الفلسطيني في لبنان لضربة سياسية بتعطيل "هيئة العمل الفلسطيني المشترك"، كمرجعية معقولة، كانت تتحرك في المحطات الخطيرة. وخلال العدوان وقعت ستة من أصل 12 مخيماً في مناطق شهدت حرباً وقصفاً مباشراً (الرشيدية، البرج الشمالي، البص، برج البراجنة، شاتيلا، الجليل)، وثلاثة مخيمات تعرضت لقصف واغتيالات (عين الحلوة، المية ومية، البداوي)، ومخيمان استقبل نازحين كثراً (نهر البارد، مار الياس)، رغم ذلك لم يكن هناك حراك منظور للقوى السياسية. ولم يجرِ أي تنظيم لتدفق النازحين الفلسطينيين واللبنانيين إلى المخيمات. ونتيجة لعدم ثقة الناس بقدرة الجهاز السياسي الفلسطيني على المساعدة، كان ما يشبه القرار المجتمعي بعدم المغادرة، أو ما سموه بـ"الصمود القسري"، رغم القصف، فبقي حوالي 80 بالمائة من سكان مخيمات الجنوب داخل بيوتهم، على الرغم من تهديدات الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، وطلباته المتكررة منذ 18 آذار بإخلاء المخيمات والتجمعات الفلسطينية في مدينة صور ومحيطها. ولم يستطع الجهاز السياسي الفلسطيني ضبط الأمن في المخيمات، ووقعت مواجهات مسلحة في عدد منها، وشهد مخيما عين الحلوة وبرج البراجنة اشتباكات متكررة خلال العدوان. وبدت اللجان الشعبية، رغم كثرة بياناتها واجتماعاتها، عاجزة تماماً عن المساهمة ب