لم يتلوّن ولم يساير يومًا على حساب قناعاته غدًا، عندما يُكتب تاريخ لبنان الحديث، سيُذكر اسم دوري شمعون بأحرف من ذهب. دوري شمعون: لم يتلوّن ولم يساير يومًا على حساب قناعاته، مهما كان الثمن. كان من طينة نادرة. يخبر دركي متقاعد أنه سنة 1954، في بداية خدمته العسكرية، كان درّاجًا، ويومًا كان على طريق بيروت – صيدا، فشاهد سيارة جاغوار مسرعة، فأشار إلى السائق أن يتوقف لينظّم له محضرًا. بعد توقف السيارة، تفاجأ بأن سائقها دوري شمعون، ابن رئيس الجمهورية يومها كميل شمعون، ولم يكن قد تجاوز الثالثة والعشرين من عمره. تهيّب رفيق الدرّاج الموقف، وخاف من تنظيم محضر في حق ابن رئيس الجمهورية، فاعتذر من دوري شمعون وطلب منه إكمال طريقه. ردّ دوري شمعون: أكمِل عملك، حضرة الأفندي. نظّم الدرّاج المحضر، ولاحقًا سدّد دوري شمعون الغرامة كأي مواطن عادي. الشرطي يُدعى حسين مهدي، ومذكراته صدرت عن دار سائر المشرق تحت عنوان: "شرطي في زمن الدولة". انتهت الحرب اللبنانية، وحلّت الفاجعة على آل شمعون وحزب الوطنيين الأحرار باستشهاد رئيس الحزب داني شمعون وعائلته، فعاد دوري شمعون إلى لبنان ليكمل المسيرة، وشكّل رأس حربة في معارضة الحكم، ومن خلفه سلطة الوصاية السورية. صدر قرار إجراء الانتخابات النيابية صيف 1992، وأصرّت عليها سلطة الوصاية السورية رغم كل الاعتراضات. يخبر قيادي سابق في حزب الوطنيين الأحرار أنه عندما بدأ الحديث عن تلك الانتخابات، وظهر أن حزب الوطنيين الأحرار لن يشارك فيها، استدعاه الرئيس الياس الهراوي مع قيادي آخر من الحزب، وقال لهما: أنتما تعرفانني جيدًا، وتعرفان علاقتي بآل شمعون، وتعرفان أن آل الهراوي، منذ أن بدأوا العمل السياسي والنيابي، اعتبروا أنفسهم شمعونيين، وأنا سمّيت ابنتي زلفا. لماذا يأخذ دوري شمعون مني هذا الموقف السلبي؟ أين أخطأت معه؟ لماذا لا يطلب موعدًا ويأتي للقائي؟ هل طلب خدمة وتأخرت لحظة في تلبيتها؟ لقد صعقني اغتيال داني وعائلته، وكنت رجوته أن يترك بعبدا لبعض الوقت ولم يسمع مني. نحن هنا اليوم: الانتخابات النيابية حاصلة بقرار دولي وعربي، وأكبر خطيئة يرتكبها المسيحيون هي المقاطعة. اذهبوا إلى دوري شمعون وأقنعوه بأن يشارك في الانتخابات، وأنا أضمن له أن يدخل إلى مجلس النواب على رأس كتلة لا تقل عن 10 إلى 12 نائبًا، وستشكّل هذه الكتلة دعمًا للعهد والمسيحيين. قولوا لدوري: إيّاه أن يقاطع ويُخلي الساحة للطارئين، فالسوريون يريدونه أن يقاطع، فلا يلبِّ رغبتهم. ومن ثم، فإن من يقف معهم اليوم من القيادات المسيحية هم معه لأنهم يحتاجونه، وغدًا، إذا تبدلت الأحوال، هم أول من سيتنكرون له. يتابع القيادي: توجهنا للقاء "الريّس" دوري وأخبرناه بما جرى معنا، فلم يدعنا نكمل كلامنا، وقال لنا: ماذا يمكنني أن أبدّل، ولو دخلت إلى مجلس النواب على رأس كتلة من 20 نائبًا؟ سأكون شاهد زور وغطاء للسوريين الذين سيكون معهم حكمًا ثلثا المجلس، ومن ثم، التزمتُ بكلامي مع المعارضة ولن أتركهم. عاد القيادي في حزب الأحرار وأخبر الرئيس الهراوي بالجواب، فأبدى أسفه وقال: أتمنى ألا يندم دوري شمعون على هذا القرار. طوال مرحلة الوصاية السورية، ما بين 1991 و2005، ورغم مواقفه القاسية ضد الحكم والسوريين، بقي دوري شمعون في لبنان ولم يغادره. يومًا سأله أحد الصحافيين: أنت ترفع سقف كلامك. كلام عالي السقف لـ"الريّس" دوري في البترون. خلال مرحلة الوصاية السورية، زار دوري شمعون بلدة عبرين البترونية معزيًا جورج واكد، رئيس فرع حزب الوطنيين الأحرار فيها، بوفاة زوجته. يخبر المونسنيور سمير الحايك، وكان موجودًا هناك يوم الزيارة، أنها كانت المرة الأولى التي يلتقي فيها رئيس الأحرار، وأنه صدم الجميع بكلامه السيادي ومهاجمته السلطة والسوريين مباشرة وبكلام قاسٍ: لقد قال يومها كلامًا أمام عشرات الأشخاص ما كان أحد يجرؤ على قوله همسًا. في واجب العزاء في منزل جورج واكد، التقى دوري شمعون بنائب البترون سايد عقل، ويبدو أنهما لم يلتقيا منذ زمن. تعود علاقة آل شمعون بآل عقل الكتلويين إلى زمن الأتراك، حين كان نمر شمعون، جد دوري شمعون، وابراهيم بك عقل، جد النائب سايد عقل، منفيين معًا في الأناضول. بعد عودتهما، استمرت علاقة العائلتين، ومما رواه النائب سايد عقل في العزاء أنه سنة 1952 توفي شخص من البترون، فتوجه والده، المحامي خليل عقل، إلى بيروت لإحضار الجثمان من المستشفى، الذي طلب مبلغًا لم يكن متوفرًا معه. لم يكن مبلغًا كبيرًا، لكنه لم يكن متوفرًا. توجه خليل بك عقل إلى مكتب النائب كميل شمعون علّه يسعفه ببعض النقود، وبعد أن عرف هدف الزيارة، ابتسم النائب شمعون وقال لخليل بك: تصورت أنك آتٍ لتقول لي إن شقيقك، النائب كميل عقل، سيصوّت لي، وأما في ما خص المال فأنا شبه مفلس، أنتظر أول الشهر. رد خليل عقل: نريد أخذ ا