بريطانيا... هل تنجو المملكة من مصير الإمبراطورية؟ طالبت الأحزاب القومية الرئيسية في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية وويلز بحق تقرير المصير (أ ف ب) أثارت مطالبة الأحزاب القومية الرئيسية في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية وويلز بحق تقرير المصير، خلال اجتماعها النادر في كارديف أمس، سؤالًا يتجاوز توقيت الاستفتاءات: هل تستطيع المملكة المتحدة الاحتفاظ بوحدتها حين تصبح شرعيّتها نفسها موضع نزاع؟ فاجتماع ثلاثة تيارات تسعى إلى الاستقلال يمنح مشاريعها المتفرّقة إطارًا مشتركًا، وينقل الضغط على وستمنستر من مطالب إقليمية منفصلة إلى مواجهة سياسية قد تغيّر حدود الدولة برمّتها. تكمن رمزية اللقاء في أن قادته يتولّون رئاسة حكوماتهم المحلّية، وإن اجتمعوا بصفتهم الحزبية. فالمؤسّسات التي أتاحت للأقاليم إدارة شؤونها داخل المملكة أصبحت تمنح دعاة الانفصال منابر لإطلاق مطالب كبيرة. وتكشف هذه المفارقة حدود الرهان على نقل الصلاحيات بوصفه ضمانة لاستيعاب النزعات القومية، إذ يمكن للحكم المحلّي أن يعزّز الثقة بالقدرة على إدارة دولة مستقلّة. ومع ذلك، يظلّ التفويض بالحكم مختلفًا عن التفويض بالانفصال، وتبقى ترجمة النفوذ البرلماني إلى غالبية استقلالية اختبارًا قائمًا بذاته. وراء وحدة الخطاب، تختلف المسارات. ففي اسكتلندا، يصطدم السعي إلى استفتاء ثانٍ بقيود دستورية؛ وقد أكدت المحكمة العليا عام 2022 أن البرلمان الاسكتلندي يفتقر إلى صلاحية تشريع استفتاء على الاستقلال بمفرده. وفي إيرلندا الشمالية، يوفّر "اتفاق الجمعة العظيمة" مسارًا مشروطًا بترجيح غالبية مؤيّدة للوحدة الإيرلندية. أمّا ويلز، فتضع الاستقلال في أفق أبعد. لذلك، يشكّل اجتماع كارديف جبهة ضغط أكثر مما يشكّل جدولًا تنفيذيًا لتفكيك المملكة. ويمنح التطلّع المشترك إلى الاتحاد الأوروبي هذه المشاريع جوابًا سياسيًا عن مخاوف العزلة وصغر الحجم. فالأحزاب تعرض الانتقال من المملكة المتحدة إلى فضاء أوروبي أوسع باعتباره مستقبلًا ممكنًا. غير أن هذا الوعد يحتاج إلى إجابات عملية عن التجارة والعملة والمالية العامة والحدود والدفاع، وعن الترتيبات الأوروبية المختلفة بين دولة تستقلّ وأرض تنضمّ إلى جمهورية قائمة. وتبقى قدرة الاستقلاليين على طمأنة الوحدويين حاسمة بقدر قدرتهم على تعبئة أنصارهم. أما تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيرلندا موحّدة، فيمنح النقاش صدى دوليًا ويرفع كلفته السياسية على لندن. لكن وزن التصريح الأميركي يظلّ مرتبطًا بتأثيره في المناخ السياسي، بينما يعود الحسم إلى إرادة السكّان والمسار الدستوري. وقد تتحوّل استجابة لندن المتشدّدة إلى سلاح قوي بيد الاستقلاليين. تكتسب صورة الإمبراطورية التي كانت "لا تغيب عنها الشمس" دلالتها الأشدّ: المملكة التي أدارت أراضي عبر القارات تواجه احتمال انكماش مركزها التاريخي إلى إنكلترا. ومع ذلك، يختلف تفكّك المملكة دستوريًا وتاريخيًا عن تصفية المستعمرات، ويتطلّب هذا السيناريو نجاح ثلاثة مسارات متمايزة، ثمّ تسويات معقّدة بشأن الأصول والديون والدفاع. إنه احتمال وارد لكنّه مشروط، يحمل تبعات تتجاوز تقلّص المساحة إلى إعادة تعريف هوية بريطانيا وحدودها ووزنها الدولي. ويتوقّف مستقبل المملكة على قدرة لندن على تجديد أسباب الانتماء إليها، وقدرة خصومها على إثبات أن كلفة المغادرة قابلة للتحمّل. ففي كارديف، وُضعت المملكة المتحدة أمام مسار جديد قد يجعل مستقبلها مختلفًا كلّيًا عن ماضيها.