كانت أول قلب يعلن أن الموت لم ينتصر "المجدلية ويسوع" لملحم الرياشي ليست خماسية الكاتب النائب ملحم الرياشي: "يهوذا الإسخريوطي الخائن البار"، "سمعان القيرواني"، "قائد المئة"، "لص الشمال"، و"المجدلية ويسوع"، دراسةً في التاريخ بقدر ما هي رحلة في النفس البشرية. فكلّ شخصية من هذه الشخصيات هي مرآة تعكس وجهًا من وجوه الإنسان. إنّ الخلاص، كما تحاول هذه الكتب أن تتأمله، ليس حدثًا وقع في الماضي وانتهى، بل نهرٌ ما زال يجري في أعماق التاريخ والإنسان معًا. تبدو شخصيات هذه الخماسية وكأنها محطات على طريق واحد، طريق الإنسان الباحث عن وجه الله، أو طريق الله الباحث عن الإنسان. في ما يلي تنشر "نداء الوطن" مقتطفات من كتاب "المجدلية ويسوع" الصادر عن "دار سائر المشرق". لم تولد مريم وفي يدها خطيئة، بل وُلدت كما يولد الضوء: خفيفًا، طريًا، بلا ذاكرة. في مجدل، تلك المدينة التي كانت تقف على حافة البحر كأنها تستمع إلى اعترافات الأمواج، نشأت مريم كزهرة لا تعرف بعد أن الريح قد تكون سكينًا. كانت طفلةً تركض خلف النهار، تجمع الضحكات كما تجمع البنات الصغيرات الأصداف، وتظن أن العالم صدرٌ واسع يتسع للجميع. لكن العالم، كما ستكتشف لاحقًا، لم يكن صدرًا، بل سوقًا. كان الفقر أول من طرق بابها، لا كضيف ثقيل، بل كمالك جديد للبيت. تعلّمت سريعًا أن الخبز لا يُعطى، بل يُنتزع. وأن الجوع ليس ألمًا في المعدة فقط، بل هو معلمٌ قاسٍ يعيد تشكيل الروح. شيئًا فشيئًا، بدأت الحياة تنزع عنها براءتها كما تُنزع ورقةٌ عن زهرة، ورقةً... ورقة. لم يكن سقوطها لحظة، بل كان انزلاقًا طويلا، ناعمًا، يكاد لا يُسمع. في البداية، كانت تقاوم، كما تقاوم شمعةٌ الريح، ثم صارت تفاوض، ثم صارت تبرر، ثم... صارت تصمت! والصمت هو أول أشكال الاستسلام. قالت لنفسها يومًا: "أنا لا أبيع نفسي... أنا أشتري البقاء". لكن الكلمات مثل المرايا تعكس ما نحاول إخفاءه أكثر مما تُخفيه. وكانت تعرف، في عمق لا يصل إليه أحد، أنها لا تشتري الخبز فقط، بل تبيع شيئًا لا يُعوّض. صار جسدها طريقًا يعبرها الغرباء، وصارت روحها مدينةً مهجورة، يتردد فيها صدى لا أحد يسمعه. كانت تضحك كثيرًا، لكن ضحكها كان يشبه الزجاج؛ يلمع... ويجرح. وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، كانت تجلس وحدها، وتشعر أن داخلها بئرٌ بلا قاع. تمد يدها إلى نفسها، فلا تجد إلا الفراغ... والصدى! لم تكن شريرة، كانت جائعة... والجوع، حين يطول، يأكل الأخلاق كما يأكل الجسد. ومع ذلك... كان في داخلها شيءٌ لم يمت. شيءٌ صغير، عنيد، يرفض أن يُطفأ. كجمرةٍ تحت الرماد، تنتظر نسمةً واحدة لتشتعل. كانت تشعر أحيانًا، من دون أن تعرف لماذا، (...) لم يكن الاسم في البداية سوى ظلّ لصوت. "يسوع..." كانت تسمعه يتسلل بين الأحاديث، يمرّ كنسمة بين الجدران، يُقال بصوت خافت أحيانًا، وبدهشةٍ مشتعلة أحيانًا أخرى. قالت امرأة في السوق: "رأيت بعيني... كان أعمى، والآن يبصر". وقال رجلٌ عند البئر: "لم يلمسه... تكلّم، فنهض المفلوج". وكانت مريم تسمع، لكنها لم تصدّق. ليس لأنها لا تريد، بل لأن الرجاء حين يُخذل كثيرًا يتحول إلى شيءٍ هش، يخاف أن يُولد من جديد. قالت في نفسها: "العجائب لا تحدث لأمثالي". كانت تظن أن الله إن كان ينظر فهو ينظر من بعيد، كما ينظر القضاة... لا كما ينظر الآباء. لكن شيئًا في تلك الحكايات كان مختلفًا. لم يتحدثوا عن قوّة فقط، بل عن نظرة. قال أحدهم: "حين نظر إليّ... شعرت أنه يعرفني، كما لو أنه يعرف ما كنتُ سأكونه... لو لم أنكسر". ارتجف شيءٌ داخلها. ليس خوفًا، بل ارتباكًا. كيف يمكن لنظرة أن تُعيد تشكيل إنسان؟ وفي تلك الليلة، لم تستطع أن تنام. كلما أغلقت عينيها، رأت نفسها كما لم ترها من قبل. ليس كما يراها الآخرون، بل كما لو أن هناك احتمالا آخر لها... نسخةً لم تعش بعد. همست لنفسها: "ماذا لو كان هذا الرجل لا يرى ما أنا عليه... بل ما يمكن أن أكونه؟". ثم ضحكت بمرارة. "ومن أكون أنا لأُرى؟". لكن السؤال، حين يولد، لا يموت بسهولة. في الأيام التالية، صارت تقترب من الحكايات أكثر. تسأل، دون أن تبدو كمن يسأل. تصغي، دون أن تعترف أنها تصغي. قالوا: "هو لا يرفض أحدًا". هذه الجملة لم تكن خبرًا... بل كانت زلزالا. لأنها عاشت عمرها كله على قاعدة واحدة: أنها مرفوضة... حتى قبل أن تُعرف. ثم قالوا: "يأكل مع الخطاة". هنا... شعرت بشيءٍ ينكسر. "يأكل معهم؟" قالت في داخلها: "لا يكتفي بغفرانهم... بل يجلس معهم؟ أي إلهٍ هذا... الذي لا يخاف أن يقترب؟". ركضت. لم تعد تلك المرأة التي تمشي ببطء تحت ثقل الحياة. كانت الآن خفيفة... كأنها تحمل خبرًا أثقل من الأرض، وأخفّ من الهواء. ذهبت إلى التلاميذ. قالت لهم: "رأيت الرب!". لم تقل: "سمعت"، ولا "ظننت"، بل: "رأيت". كانت أول شاهدة، أول صوت. أول قلب يعلن أن الموت لم ينتصر. والتي كا