ظهر هال سيتي بقيادة مدربه البوسني سيرغي ياكيروفيتش، منذ عودته إلى الدوري الإنكليزي الممتاز، بشكل مغاير للفرق الصاعدة حديثاً، والتي تبحث عن النجاة بين الكبار وتثبيت أقدامها في البطولة. تحوّلت المراحل الأولى إلى إعلان واضح لمشروع كرويّ يملك ما يكفي من الجرأة والتنظيم لفرض نفسه على مشهد المنافسة. فتعادل هال سيتي الأخير أمام تشيلسي في قلب "ستامفورد بريدج"، والوصول إلى النقطة الثامنة في المراكز الأولى خلف آرسنال ومانشستر سيتي لا يبدو مجرد انطلاقة موفقة أو لحظة عابرة، بل مؤشراً مبكراً إلى فريق جاء إلى الـ"بريميرليغ" وهو يملك طموحاً يتجاوز مجرد البقاء. سبق ذلك وصول هال سيتي ليُصبح رابع فريق صاعد فقط في تاريخ المسابقة يحصد 7 نقاط من مبارياته الثلاث الأولى من دون خسارة، وهو ما جعل البوسني سيرغي ياكيروفيتش يتوّج بجائزة مدرب شهر آب/أغسطس في الدوري الإنكليزي. ثم إن قيمة هذا الرقم تزداد بالنظر إلى الطريقة التي وصل إليه الفريق، إذ لم يلجأ إلى الانكماش الدفاعي أو التعامل مع رهبة الصعود، بل ظهر بمنظومة منضبطة تجمع الصلابة الدفاعية والشراسة الهجومية. من مباراة هال سيتي وتشيلسي. (أ ف ب) السر خلف انطلاقة هال سيتي القوية يكمن السر وراء هذه الانطلاقة القوية بالواقعية المباشرة، التي يفرضها ياكيروفيتش على فريقه، إذ يرفض فلسفة الاستحواذ السلبي أو التعقيد التكتيكي، مراهناً على منظومة سريعة تعتمد على التحوّلات الهجومية الخاطفة واستغلال المساحات بأقصى قدر من الفاعلية. وإلى جانب التفاصيل التكتيكية، فإنّ شخصية الفريق باتت تتميز بالنضج الذهني؛ فالفرق الصاعدة عادة ما تترنح تحت وطأة الضغوط وتنهار فور استقبال الهدف الأول، إلا أن هال سيتي أظهر ثباتاً كبيراً عندما تأخر بهدف مبكر في الدقيقة السابعة أمام تشيلسي، فلم يتراجع أو يفقد ثقته، وإنما رفع إيقاعه واستعاد زمام المبادرة سريعاً. هذه العقلية تبدو نتاجاً مباشراً لعمل تدريبي يؤكّد للاعبين أنّ اسم المنافس لا يمنحه نقاط المباراة، وأنّ مواجهة الكبار لا تعني التنازل مسبقاً عن حق المنافسة، وتكشف عن رغبة حقيقية في تثبيت أقدامه بين فرق وسط الجدول، وربما مقارعة الكبار بدلاً من الاكتفاء بمحاولة الإفلات من الهبوط. ما تقدّم يجعل الربط بين مسار الصعود في الموسم الماضي والانطلاقة الحالية أكثر وضوحاً؛ فالصلابة الدفاعية التي قادت هال سيتي إلى الـ"بريميرليغ" لم تختفِ أمام ارتفاع مستوى المنافسين، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر صعوبة، بالتوازي مع تحرّكات ذكية في سوق الانتقالات ركّزت على اختيار العناصر القادرة على خدمة أفكار المدرب بدلاً من مطاردة الأسماء اللامعة. ما تحقق حتى الآن يكفي لوضع هال سيتي في دائرة المرشحين لصناعة واحدة من أبرز مفاجآت الموسم، وربما التحوّل إلى "حصان أسود" حقيقي. لكن الاستمرارية ما تزال هي الاختبار الأكبر أمام الفريق، خصوصاً مع طول الموسم وقوة المنافسة، ومدى قدرة القائمة على التعامل مع ضغط المباريات والإصابات، إلى جانب قدرة ياكيروفيتش على تطوير أفكاره عندما تبدأ الفرق الأخرى في قراءة تحوّلات فريقه والعمل على إغلاق مساحاته.