من علي الطاهر إلى اتفاق الإطار: لبنان أمام امتحان السيادة المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI لم تعد مرتفعات «علي الطاهر» مجرد موقع عسكري في المواجهة الجنوبية، بل تحولت—عقب تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يوم امس الأحد 13 سبتمبر—إلى عنوان سياسي يُهدد جوهر اتفاق الإطار ومستقبل السيادة اللبنانية. إن اشتراط إسرائيل نزع سلاح «حزب الله» في كامل البلاد قبل أي انسحاب، واعتبار المرتفعات جزءاً من «خط أصفر» وحزام أمني، ليس تعديلاً ميدانياً، بل كسرٌ متأنٍ لركائز الاتفاق الموقع بواشنطن في يونيو 2026. تفرض تل أبيب بذلك معادلة جديدة تستبدل مبدأ «الخطوة مقابل خطوة» بالتزام لبناني كامل ومسبق، مقابل وعد إسرائيلي مفتوح زمنيًا. تجسيد الخطر: من «الخط الأزرق» إلى الحزام العازل تكمن خطورة «الخط الأصفر»—على عكس الخط الأزرق المعتمد أممياً عام 2000—في كونه خطاً عسكرياً مستحدثاً يُخشى تثبيته كأمر واقع بقوة السلاح. السيطرة الميدانية على مرتفعات علي الطاهر (التي تبعد نحو 15 كيلومتراً عن الحدود) وتقييد عودة الأهالي، يتيحان لإسرائيل توسيع «عمقها الأمني» وفق عقيدتها العسكرية الجديدة بعد 7 أكتوبر، لنقل حدود المواجهة إلى عمق أراضي الجوار. صحيحٌ أن وجود سلاح خارج أطر الدولة يمثّل أزمة سيادية ويمنح إسرائيل ذرائع دائمية، لكن التسليم بأن نزع السلاح سيُنهي الأطماع الإسرائيلية يُعد قراءة قاصرة؛ فالسلوك الميداني جنوباً يتقاطع مع المشهد في الجنوب السوري من حيث اقتطاع التلال الاستراتيجية وتخوم الحدود. الجنوب مسؤولية وطنية: قراءة في زيارة عون للنبطية إن تعامل الداخل مع أزمة الجنوب بوصفها شأناً يخص «حزب الله» أو الطائفة الشيعية وحدها يمثل خطراً كبيراً؛ فإفراغ القرى وتغيير ديموغرافيتها ضربة للكيان اللبناني برُمته. من هنا، اكتسبت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون المفاجئة إلى النبطية—برفقة القادة الأمنيين—أبعاداً تتجاوز التضامن الرمزي. لقد وجهت الزيارة رسالتين: – الأولى للخارج وتؤكد أن الجنوب ليس ساحة متروكة ولا تفاوض جديد قبل الالتزام بالثوابت (الانسحاب، عودة النازحين، وإعادة الإعمار)، وهو ما يفسر تجميد مسار روما إلى أكتوبر المقبل. – والثانية للداخل ومفادها أن حماية الجنوب مسؤولية حصرية للدولة، رغم الفجوة التي كشفها غياب التغطية السياسية الرسمية من الحزب للزيارة. لا يمكن مواجهة هذا الواقع بترداد الاتهامات الثنائية بين الحزب وخصومه؛ فاستمرار هذه الفجوة يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية في تثبيت أمرها الواقع. يتطلب الخروج من هذا المأزق تبني مقاربة وطنية شامِلة تتلخص بالاتي: أولاً، برفض «الخط الأصفر» رسمياً واعتباره احتلالاً موجباً للمواجهة الدبلوماسية والقانونية. ثانياً، ينبغي إعادة تقويم آليات تنفيذ اتفاق الإطار لربط التزام لبنان بجدول زمني محدد لانسحاب الاحتلال. ثالثاً، التوازي مع فتح حوار داخلي واقعي ومتدرج يصوغ استراتيجية دفاعية تُعيد حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم إلى الدولة. رابعاً، على الصعيد الخارجي، يحتاج لبنان إلى توسيع تحركه الدولي عبر الأمم المتحدة وفرنسا والعالم العربي، وعدم رهن الملف للوساطة الأمريكية منفردة. خامساً، واخيراً يجب اعتبار عودة النازحين وإعادة الإعمار حجر الزاوية في معركة السيادة والصمود الشعبي لمنع تحويل القرى الحدودية إلى مناطق مهجورة. خلاصة القول، ليس أمام لبنان ترف الاختيار بين إنكار مشكلة السلاح وتجاهل خطر الاحتلال. حماية البلاد تتطلب معالجة الأمرين معًا: استعادة الدولة قرارها وسيادتها، ومنع إسرائيل من استخدام الأزمة الداخلية لاقتطاع الأرض وفرض منطقة أمنية دائمة. وقد تكون زيارة الرئيس عون إلى النبطية بداية انتقال الموقف الرسمي من إدارة الضغوط الإسرائيلية إلى إعادة تقويم التفاوض نفسه، شرط أن تُترجم إلى مبادرة تجمع اللبنانيين ولا تبقى رسالة رمزية عابرة. فالحد الأدنى الوطني المطلوب واضح: انسحاب إسرائيلي كامل، وانتشار فعلي للجيش، وحصرية السلاح بيد الدولة، وعودة السكان، وإعادة إعمار الجنوب. أما استمرار الانقسام وانتظار الخارج وتبادل الاتهامات، فلن يؤدي إلا إلى جعل لبنان ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، في وقت أصبح فيه الوطن كله، لا طرف واحد فيه، مهددًا. *حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI